الجيش اللبناني… وضوح الرؤية وحدود القدرة

4

بقلم دافيد عيسى
في الأول من آب من كل عام، يحتفل لبنان بعيد الجيش اللبناني، هذه المؤسسة الوطنية التي شكّلت على الدوام صمام أمان للوطن ورمزًا لوحدته.
إلا أن هذه المناسبة تحل هذا العام في ظل ظروف هي من الأصعب التي مرّ بها لبنان في تاريخه الحديث، حيث تستمر الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، فيما ترزح البلاد تحت وطأة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، يرافقها انقسام داخلي حاد يلقي بثقله على مختلف مؤسسات الدولة، ويزيد من حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المؤسسة العسكرية.
وفي موازاة هذه التحديات، لا يزال آلاف اللبنانيين يعيشون معاناة التهجير القسري بعيدًا عن منازلهم وقراهم، منذ اندلاع الحرب في الثامن من تشرين الأول 2023، غداة انطلاق عملية “طوفان الأقصى” في غزة، من دون أن تلوح حتى اليوم نهاية واضحة لمعاناتهم أو أفق قريب لعودة آمنة وكريمة إلى مناطقهم.
وتبقى المنازل المهدّمة والقرى المتضررة شاهدًا حيًا على حجم الدمار الذي خلّفته الحرب، فيما ينتظر أبناء هذه المناطق العودة إلى ديارهم، بالتوازي مع الحاجة الملحّة إلى استكمال عملية إعادة الإعمار، بما يسمح باستعادة الحياة الطبيعية وإحياء القرى التي أنهكتها المواجهات.
ورغم قسوة هذه الظروف، يقف اللبنانيون بإجلال أمام المؤسسة العسكرية التي بقيت، طوال الأزمات التي عصفت بالبلاد، إحدى الركائز الأساسية للدولة وأحد أبرز رموز وحدتها وتماسكها.
لقد حمل الجيش اللبناني على عاتقه مسؤوليات وطنية جسيمة، وتمكّن، رغم التحديات والضغوط، من الحفاظ على دوره في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره. وقد دفع، ولا يزال، أثمانًا باهظة دفاعًا عن لبنان، متحمّلًا أعباء تفوق في كثير من الأحيان قدراته وإمكاناته، في ظل موارد محدودة وتحديات متراكمة.
كما واصل أداء واجباته في أصعب الظروف، متمسكًا بقسمه الوطني ورسالته، رغم الأوضاع المعيشية الصعبة التي طالت العسكريين أنفسهم وأثّرت على ظروفهم الاجتماعية والحياتية.
ولم يعد دور الجيش يقتصر على حماية الحدود والدفاع عن السيادة الوطنية فحسب، بل توسّعت مسؤولياته لتشمل مهام متعددة تتولاها، في العديد من الدول، مؤسسات وأجهزة متخصصة.
فهو يضطلع بحماية الحدود البرية والبحرية، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، وتأمين الاستحقاقات الوطنية والمناسبات العامة، ومساندة القوى الأمنية، والتدخل في مواجهة الكوارث والأزمات، وصولًا إلى تأمين سلامة الفعاليات الرياضية وحماية الملاعب.
وفي الجنوب، يواصل الجيش اللبناني تنفيذ مهامه وفق الترتيبات القائمة، رغم حساسية الأوضاع الميدانية والتحديات المرتبطة بمحدودية الإمكانات.
كما يعمل على تعزيز انتشاره في مختلف المناطق الجنوبية، بما يساهم في تهيئة الظروف المناسبة لعودة الأهالي إلى بلداتهم وقراهم، والاستعداد للانتشار في المناطق التي تنسحب منها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وفي المقابل، تظهر أحيانًا مطالبات تُحمّل قيادة الجيش مسؤوليات تتجاوز صلاحياتها وإمكانات المؤسسة العسكرية، وكأن القرار العسكري قادر على أن يُتخذ بمعزل عن القرار السياسي للدولة.
فالجيش ليس طرفًا في التجاذبات السياسية، بل هو مؤسسة وطنية تعمل تحت سلطة الحكومة، وتنفّذ القرارات الصادرة عن المؤسسات الدستورية.
وتبقى القيادة العسكرية الجهة الأكثر معرفة بقدرات الجيش وحدود إمكاناته، وبما يضمن الحفاظ على جهوزيته ووحدته ودوره الوطني.
اما إذا كان المطلوب من الجيش الاضطلاع بمسؤوليات إضافية، فإن الواجب الوطني يقتضي قبل كل شيء توفير مقومات النجاح لهذه المؤسسة، عبر تأمين احتياجاتها من تسليح وتجهيز، وتوفير الدعم المالي واللوجستي الضروري، بما يمكّنها من تنفيذ واجباتها بكفاءة وفاعلية.
فالجيوش لا تُبنى بالشعارات، بل بالإمكانات والتخطيط والقرار الوطني الجامع.
وفي هذا السياق، يولي وزير الدفاع، اللواء الركن الطيار ميشال منسى، اهتمامًا خاصًا بالمؤسسة العسكرية، انطلاقًا من معرفته العميقة بها وخبرته الطويلة في صفوفها، وحرصه على تعزيز دورها الوطني ودعمها بما يمكّنها من القيام بواجباتها.
ويأتي هذا الاهتمام إدراكًا لطبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتق الجيش، ولأهمية تعزيز التنسيق بين القيادة العسكرية والسلطة السياسية، بما يؤمّن للمؤسسة العسكرية الدعم الذي تحتاج إليه للحفاظ على جهوزيتها واستمرارية دورها.
كما يقود الجيش اللبناني اليوم العماد رودولف هيكل، وهو قائد عسكري يتمتع بخبرة واسعة ومسيرة حافلة داخل المؤسسة العسكرية، وقد عُرف بكفاءته ومناقبيته والتزامه بثوابت الجيش وقيمه الوطنية.
ومنذ توليه قيادة المؤسسة، يحرص العماد هيكل على ترسيخ وحدتها وتماسكها، والحفاظ على جهوزيتها لمواجهة مختلف التحديات، انطلاقًا من قناعته بأن قوة الجيش تكمن في احترافيته ووحدته وقدرته على أداء دوره الوطني بعيدًا عن أي تجاذبات أو اصطفافات.
كما يولي أهمية كبيرة للحفاظ على استقلالية المؤسسة العسكرية وحيادها، والعمل على إبقائها إطارًا وطنيًا جامعًا فوق الانقسامات، بما يضمن استمرارها في حماية لبنان وصون أمنه واستقراره.
كذلك يولي اهتمامًا بالأوضاع المعيشية للعسكريين، إدراكًا منه بأن تحسين ظروفهم الاجتماعية يشكل عاملًا أساسيًا في تعزيز معنوياتهم ورفع مستوى جهوزيتهم.
لقد أثبتت التجارب أن قوة الدولة لا تكون بإضعاف مؤسساتها، ولا بزج جيشها في الانقسامات السياسية، بل بتعزيز دوره كجيش لجميع اللبنانيين، والتمسك بثوابته وأخلاقياته، وصون استقلاليته المهنية، ليبقى قادرًا على أداء رسالته الوطنية في مختلف الظروف.
فالحفاظ على الجيش مسؤولية وطنية جامعة، لأنه ليس ملكًا لفئة أو حزب، بل هو مؤسسة وطنية لجميع اللبنانيين.
فلا يمكن مطالبة الجيش بتحقيق أهداف كبرى، ثم تجاهل واقع الإمكانات المحدودة والظروف السياسية والأمنية المعقدة التي يعمل ضمنها.
وفي الختام، تبقى التحية للجيش اللبناني، قيادةً وضباطًا وعسكريين، الذين يواصلون أداء واجبهم في حماية الوطن والدفاع عن أمنه، على الحدود وفي الداخل، رغم ما يواجهونه من تحديات وظروف استثنائية.
إن تعزيز قدرات المؤسسة العسكرية مسؤولية وطنية مشتركة، فبناء جيش أكثر قوة وجاهزية لا يتحقق بزيادة الأعباء الملقاة على عاتقه، بل بتوفير مقومات النجاح له، من دعم سياسي وطني جامع، وتسليح وتجهيز، وإمكانات مالية ولوجستية تمكّنه من أداء مهامه بكفاءة، وترسّخ دوره في حماية لبنان وصون استقراره.
وعندها فقط يصبح من حق الجميع أن يطالبوه بالمزيد.
دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.