العفو العام: بين مقتضيات العدالة وحدود الرحمة التشريعية
المحامي أسامة العرب
يأتي إقرار قانون منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية في ظرف لبناني تتداخل فيه اعتبارات العدالة الجزائية مع مقتضيات الرحمة الاجتماعية، وأزمة السجون، وطول أمد التوقيف والمحاكمات، وتراكم الملفات القضائية. ومن ثم، فإن أهمية هذا القانون لا تكمن في عدد المستفيدين منه فحسب، بل في الطريقة التي رسم بها المشرّع حدود العفو، والاستثناءات الواردة عليه، والآثار المترتبة على تطبيقه.
والعفو العام، من الناحية القانونية، ليس مجرد إجراء لإطلاق سراح السجناء، ولا يمثل إسقاطًا شاملًا للمسؤولية عن الجرائم، بل هو تدخل تشريعي استثنائي يحدد أثر الجريمة على الدعوى العامة والعقوبة ضمن الحدود التي رسمها القانون. ولذلك، فإن تقييمه ينبغي أن يتم من خلال مدى وضوح أحكامه وعدالة تطبيقها، ومدى التوازن الذي أقامه بين مصلحة المجتمع وحقوق الضحايا ومقتضيات الحرية الشخصية.
ويُحسب لمجلس النواب إنجاز هذا التشريع بعد نقاش طويل وتعديلات متعددة، ولا سيما أن الصيغة النهائية تضمنت أحكامًا ذات أثر مباشر في المحكومين والموقوفين وفي كيفية احتساب العقوبات.
أولًا: عفو واسع ضمن حدود تشريعية واضحة
حددت المادة الأولى نطاق العفو بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026، وشملت المستفيدين من فاعلين وشركاء ومتدخلين ومحرّضين ومخبّئين وفق أحكام قانون العقوبات. ويترتب على العفو، في الحالات المشمولة، سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات والآثار الجزائية التي حددها القانون.
غير أن هذا الشمول ليس مطلقًا؛ إذ جاءت المادة الثانية لتضع قائمة دقيقة بالجرائم المستثناة. ومن هنا، فإن تحديد مدى استفادة أي شخص من القانون لا يجوز أن يستند إلى طبيعة العقوبة وحدها، بل يتطلب تحديد الجريمة وتاريخ ارتكابها وصفة الشخص فيها، ثم التحقق من عدم دخولها ضمن الاستثناءات.
ثانيًا: الاستثناءات ترسم فلسفة القانون
تشكل المادة الثانية جوهر القانون، إذ استبعد المشرّع مجموعة من الجرائم التي رأى أن خطورتها تستوجب إبقاء المسؤولية الجزائية أو إخضاعها لنظام مختلف. ومن أبرزها الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل عمدًا أو قصدًا في الحالات المحددة، وبعض الجرائم الإرهابية والعسكرية، والخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو.
كما استُثنيت جرائم المخدرات في حالات التكرار المحددة، والاعتداء المستمر على الأملاك العامة، والجرائم الواقعة على المال العام، وتزوير النقد وترويجه، وبعض الجرائم المصرفية والمالية والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وشملت الاستثناءات كذلك الجرائم المتعلقة بالآثار، والاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القاصرين، فضلًا عن التعذيب والمفقودين والمخفيين قسرًا وبعض جرائم السرقة والجرائم البيئية.
وتكشف هذه القائمة عن توجه تشريعي واضح نحو عدم استخدام العفو لإسقاط المسؤولية في الجرائم التي تمس بصورة مباشرة أمن المجتمع أو المال العام أو السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.
ثالثًا: الاستثناء من العفو لا يعني بقاء العقوبة كاملة
من أهم عناصر القانون أن الجرائم المستثناة من العفو لم تُترك من دون معالجة، إذ قررت المادة الثالثة تخفيضًا استثنائيًا للعقوبات. فأصبحت عقوبة الإعدام 28 سنة سجنية، والأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة سجنية، فيما خُفضت سائر العقوبات المتبقية بمقدار الثلث، ضمن الشروط التي حددها القانون.
وبذلك أقام المشرّع تمييزًا جوهريًا بين من يستفيد من العفو الكامل، ومن يستفيد من تخفيض العقوبة دون سقوط المسؤولية. وهذه الثنائية تحول دون اختزال القانون في مفهوم «العفو عن الجميع»، كما تمنع القول إن الجرائم المستثناة لم تستفد إطلاقًا من أي أثر تشريعي.
وفي جرائم القتل العمد أو القصدي المقترنة بظروف مشددة، فرض القانون قيدًا إضافيًا؛ فإذا كان المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي قبل 1 آذار 2026، فلا يستفيد المحكوم من التخفيض إلا بعد إسقاط الحق الشخصي. ويعكس ذلك محاولة للموازنة بين سلطة المشرّع في تنظيم العقوبة وبين حماية حقوق الضحية في الجرائم الأشد خطورة.
رابعًا: التوقيف الطويل وحق الإنسان في محاكمة ضمن مدة معقولة
من أبرز التعديلات خفض مدة التوقيف التي تؤدي إلى الإخلاء الحكمي من 14 سنة إلى 12 سنة سجنية. فبالنسبة إلى الجرائم المرتكبة قبل 1 آذار 2026 والتي لم يصدر فيها حكم، يُخلى سبيل المدعى عليه إذا تجاوز توقيفه اثنتي عشرة سنة، على أن تستمر محاكمته وفق الأصول.
وتكتسب هذه المادة أهمية خاصة؛ لأن إخلاء السبيل هنا لا يعني البراءة ولا سقوط الدعوى، بل إنهاء حالة التوقيف الطويل مع إبقاء حق الدولة في المحاكمة. ومن منظور العدالة الجزائية، يشكل هذا الحكم تذكيرًا بأن التوقيف الاحتياطي يجب ألا يتحول عمليًا إلى عقوبة تسبق صدور الحكم.
خامسًا: العفو لا يمحو الحقوق الشخصية
لم يسقط القانون حقوق المتضررين لمجرد سقوط الدعوى العامة. فقد أبقت المادة الرابعة للقضاء الجزائي اختصاص النظر في الحقوق الشخصية الناجمة عن الجرائم المشمولة بالعفو، متى كانت الدعوى قد أقيمت أو أحيلت قبل نفاذ القانون، فيما تخضع سائر المطالبات للمراجع المدنية أو الإدارية المختصة.
وهذه نقطة أساسية؛ لأن العفو العام يتعلق أساسًا بالحق العام والعقوبة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإهدار الحقوق المالية أو الشخصية للضحايا.
سادسًا: العفو ليس حصانة دائمة
وضع القانون آلية تمنع تحويل العفو إلى حماية مستمرة من المسؤولية. فإذا ارتكب المستفيد جنحة بعد نشر القانون، تُشدد العقوبة وفق أحكام قانون العقوبات. أما إذا ارتكب جناية، فيسقط عنه أثر العفو وتستأنف محاكمته أو تنفيذ العقوبة من المرحلة التي كانت عليها قبل صدور القانون، إضافة إلى محاسبته عن الجريمة الجديدة.
كما تناول القانون أوضاع غير اللبنانيين المستفيدين، ونص على تسليمهم إلى المديرية العامة للأمن العام لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة. وأقر معالجة إنسانية مهمة لمن أنهوا مدة عقوباتهم وبقوا في السجن بسبب عدم القدرة على تسديد الغرامات والرسوم التي تحول دون خروجهم.
سابعًا: أثر تعديل جمع العقوبات
لا يقتصر أثر القانون على العفو والتخفيض، إذ عدلت المادة العاشرة، لمرة واحدة ولأغراض تطبيق القانون، قواعد جمع العقوبات الواردة في المادة 205 من قانون العقوبات. وقد يكون لهذا التعديل أثر عملي مهم بالنسبة إلى المحكومين الذين تتعدد في ملفاتهم الأحكام والعقوبات، إذ يعيد تنظيم كيفية تنفيذ العقوبات المتعددة ضمن الحدود التي رسمها النص.
وهذا يعني أن دراسة الوضع القانوني للمحكوم لا يمكن أن تقتصر على معرفة ما إذا كانت الجريمة مشمولة بالعفو، بل يجب أن تشمل أيضًا طريقة احتساب العقوبات وتعددها ومدى استفادة المحكوم من القواعد الجديدة.
في الختام، إن قانون العفو العام بصيغته النهائية لا يمثل عفوًا شاملًا ولا إسقاطًا مطلقًا للمحاسبة، بل يقوم على منظومة متدرجة: عفو كامل عن الجرائم المشمولة، واستثناء لجرائم محددة، وتخفيض استثنائي للعقوبات في بعض الجرائم المستثناة، إلى جانب أحكام خاصة بالتوقيف الطويل، والحقوق الشخصية، والغرامات، وتعدد العقوبات، وارتكاب الجرائم الجديدة.
ومن أبرز الجوانب الإيجابية في القانون خفض مدة التوقيف الطويل من 14 إلى 12 سنة، لما يحمله ذلك من بعد إنساني وقضائي، مع التأكيد أن إخلاء السبيل لا يلغي المحاكمة ولا ينشئ قرينة براءة.
غير أن القيمة الفعلية لهذا التشريع ستتحدد في مرحلة التنفيذ. فالنص القانوني، مهما بلغت دقته، لا يحقق العدالة بذاته ما لم يُطبّق بصورة موحدة وسريعة، وما لم تُصن حقوق الضحايا، وتُرفع العوائق أمام المستفيدين الحقيقيين من أحكامه.
ويبقى العفو، في نهاية المطاف، علاجًا استثنائيًا لمشكلة استثنائية، وليس بديلًا عن إصلاح العدالة الجزائية. فإذا كان لبنان يريد إنهاء دوامة العفو المتكرر، فعليه معالجة أسبابها البنيوية: طول أمد المحاكمات، التوسع في التوقيف الاحتياطي، ضعف بدائل السجن، الاكتظاظ، وبطء إصدار الأحكام.
فالعدالة لا تتحقق بالعقوبة وحدها، كما لا تتحقق بالرحمة وحدها؛ وإنما تتحقق بإقامة توازن مؤسسي بين حق المجتمع في المحاسبة، وحق المتضرر في الإنصاف، وحق المتهم في محاكمة عادلة وفي ألا يتحول التوقيف إلى عقوبة غير معلنة. ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لقانون العفو لن يكون في عدد من خرجوا من السجون، بل في قدرته على أن يكون خطوة استثنائية نحو عدالة أكثر إنسانية، لا بديلًا مؤقتًا عن إصلاحها.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.