بيروت منزوعة السلاح: مدخل إلى استعادة الدولة وسيادة القانون – 1
بقلم د. ابراهيم العرب
ليست الدعوة إلى جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح مجرّد مبادرة أمنية ظرفية، ولا هي استجابة عابرة لحدث سياسي طارئ، بل تمثّل، في جوهرها، مشروعًا وطنيًا متكاملًا يرمي إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة، بوصفها المرجعية الوحيدة المخوّلة احتكار القوة الشرعية وممارسة السيادة على كامل أراضيها. ومن هنا، تكتسب المبادرة التي طرحها كل من نائب بيروت الأستاذ فؤاد مخزومي ورئيس جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية السيد أحمد هاشمية، وتبنّاها رئيس الحكومة القاضي نواف سلام، أهمية استثنائية، لأنها تنطلق من إدراك عميق بأن أمن العاصمة ليس شأنًا محليًا محدودًا، بل هو مسألة تتصل مباشرة باستقرار لبنان كله، وبقدرته على حماية سلمه الأهلي ومنع انزلاقه إلى الفوضى أو الفتنة.
إن بيروت، بحكم موقعها السياسي والإداري والرمزي، ليست مدينة كسائر المدن. فهي مقرّ المؤسسات الدستورية، وعنوان القرار الوطني، وصورة لبنان أمام العالم. لذلك، فإن أيّ خلل أمني فيها لا يبقى محصورًا في أحيائها وشوارعها، بل ينعكس مباشرة على صورة الدولة وهيبتها، ويبعث برسائل سلبية إلى الداخل والخارج في آن واحد. وعليه، فإن السعي إلى تحييد العاصمة عن مظاهر التسلّح والانفلات، ومنع تحويلها إلى ساحة استعراض قوة أو إلى منصة توتير أمني، هو في الحقيقة دفاع عن الكيان السياسي نفسه، وليس مجرد إجراء تنظيمي أو إداري.
وفي هذا السياق، يكتسب القرار الصادر عن الحكومة دلالة دستورية وسياسية بالغة الأهمية، لكونه يستند إلى وثيقة الوفاق الوطني وإلى القرارات السابقة ذات الصلة بمبدأ بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وحدها. فالقرار الذي أعلنه رئيس الحكومة في ختام الجلسة الحكومية لم يأتِ من فراغ، بل جاء تعبيرًا عن حاجة وطنية ملحّة إلى حماية المواطنين وأملاكهم، وصون العاصمة من العبث الأمني، وتأكيد أن الدولة لا يمكن أن تتعايش إلى ما لا نهاية مع وقائع مسلّحة موازية لسلطتها. ومن هنا، فإن تكليف الجيش والقوى الأمنية المباشرة الفورية بتعزيز السيطرة الكاملة على محافظة بيروت، واتخاذ التدابير بحق المخالفين، يشكّل خطوة في الاتجاه الصحيح، شرط أن يقترن هذا القرار بإرادة تنفيذية صلبة لا تتراجع أمام الضغوط السياسية أو الحسابات الفئوية.
ولم يبقَ هذا التوجّه محصورًا بالمستوى الحكومي، بل وجد صداه أيضاً في المجال السياسي الأوسع، من خلال المؤتمر الذي عقده نواب مدينة بيروت، ممثلين غالبية الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية، دعمًا لإعلان العاصمة «آمنة وخالية من السلاح». وقد جاء هذا المؤتمر على خلفية التطورات الأمنية الأخيرة والهجمات الإسرائيلية التي طالت المدينة، وبمشاركة معظم الأفرقاء اللبنانيين، بما يؤشر إلى أن مسألة أمن بيروت بدأت تتحول من مطلب خاص أو موضعي إلى عنوان سياسي وطني جامع، يتجاوز الاصطفافات التقليدية ويضع سلامة العاصمة في صدارة الأولويات.
وفي كلمة له خلال المؤتمر، شدّد صاحب مبادرة الاجتماع النائب فؤاد مخزومي على أن بيروت «تستحق أن نحميها معًا، وهي كانت وستبقى مدينة تحتضن الجميع»، معتبرًا أن ما سُمّي بـ«الأربعاء الأسود» شكّل إنذارًا جديًا يعكس حجم المخاطر التي لا تزال تهدد استقرار المدينة. ولم يكتفِ مخزومي بتوصيف الخطر، بل دعا بوضوح إلى انتشار الجيش في كل شوارع العاصمة، وتعزيز الحواجز الشرعية والرقابة الأمنية الفعلية، مؤكدًا أن بناء الدولة لا يكتمل إلا بحصر السلاح بيدها «من دون استثناء»، ومشددًا على ضرورة اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضبط الأمن، وصولًا إلى «إعلان التعبئة العامة إذا اقتضت الحاجة».
وتكمن الأهمية السياسية لهذا الموقف في أنه تعامل مع مسألة السلاح باعتبارها حقًا يوميًا لسكان العاصمة، لا مجرد بند في سجال استراتيجي طويل أو في نزاع إقليمي مفتوح. فحين يُقال إن أهل بيروت لا يريدون أن يكونوا ضحايا صراعات لا علاقة لهم بها، فإن النقاش يُعاد تعريفه من جديد: من قضية مرتبطة بتوازنات القوة الكبرى إلى قضية أمن مدني وحق بالحياة الطبيعية داخل المدينة. وهذا التحول في المقاربة هو ما يمنح المبادرة وزنها الحقيقي، لأنها تنقل النقاش من منطق التبرير السياسي إلى منطق حماية الناس، ومن خطاب المحاور إلى خطاب الدولة والحق العام.
واللافت أيضًا أن هذا الاجتماع لم يقتصر على إطلاق موقف سياسي أو رفع شعار عام، بل طرح تصورًا عمليًا يبدأ بانتشار الجيش اللبناني في كل شوارع بيروت، ويمر بإجراءات أمنية استثنائية قد تصل، ضمن نطاق العاصمة، إلى إعلان التعبئة العامة إذا اقتضت الحاجة. وهذا الطرح يعكس إدراكًا متقدمًا بأن إعلان بيروت مدينة خالية من السلاح لا يمكن أن يبقى في حدود الرمزية أو الخطابة السياسية، بل يجب أن يتحول إلى خطة تنفيذية واضحة، ذات أدوات محددة ومراحل قابلة للقياس والمتابعة.
وليس هذا الموقف وليد اللحظة. فالنائب فؤاد مخزومي دأب منذ سنوات على رفع هذا المطلب، انطلاقًا من تحذيره المتكرر من أن السلاح المتفلّت يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن العاصمة وسلامة أهلها، وهو ما أثبتته التطورات الأخيرة على نحو بالغ الخطورة، ولا سيما في ظل بقاء الدولة، لفترات طويلة، متفرجة على تحويل بيروت إلى ساحة للسلاح غير الشرعي. كذلك، كان مخزومي قد طالب في وقت سابق بتكليف الجيش اللبناني بالانتشار الكامل في كل أحياء العاصمة، وصولًا إلى الضاحية، ضمن خطة واضحة تشمل حواجز ثابتة ونقاط تفتيش وصلاحيات كاملة لضبط ومصادرة السلاح. ومن هنا، فإن ما طُرح أخيرًا لا يبدو اقتراحًا طارئًا، بل استكمالًا لمسار سياسي وأمني قائم منذ سنوات، عنوانه المركزي أن أمن العاصمة لا يحتمل المساومة.
يتبع الإثنين
د. ابراهيم العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.