تعليق على قرار المجلس الدستوري بإبطال قانون تنظيم القضاء العدلي

24

بقلم د. ابراهيم العرب
يشكّل القرار رقم 1/2026 الصادر بتاريخ 25/2/2026 عن المجلس الدستوري محطة مفصلية في مسار تكريس دولة القانون في لبنان، إذ قضى، بالأكثرية، بإبطال قانون تنظيم القضاء العدلي رقم 36/2026 برمّته، لعلّة جوهرية تمسّ صلب الشرعية الدستورية، هي إغفال استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى في صيغته النهائية المعدّلة، بما يشكّل مخالفة مباشرة للمادة 20 من الدستور ولمبدأ استقلالية السلطة القضائية.
أولاً: في الرقابة الدستورية الخارجية وأولوية الشكل الجوهري
انطلق المجلس من ممارسة رقابته الدستورية الخارجية (contrôle de constitutionnalité externe)، أي التحقق من احترام الأصول والإجراءات الدستورية الملازمة لعملية التشريع. وهذه الرقابة لا تقلّ أهمية عن الرقابة الموضوعية، لأن المشروعية الشكلية هي المدخل الإلزامي للمشروعية المضمونية.
وقد ميّز القرار بدقة بين المخالفات المدلى بها، فردّ الأسباب المتعلقة بالمواد 34 و36 و57 من الدستور لعدم ثبوت الإخلال بالأكثرية أو بآلية التصويت، مثبتاً بذلك التزامه بقاعدة “لا إبطال بلا مخالفة ثابتة”. إلا أنه، في المقابل، اعتبر أن إغفال عرض الصيغة النهائية المعدّلة للقانون على مجلس القضاء الأعلى يشكّل انتهاكاً لصيغة جوهرية (formalité substantielle)، لا مجرّد إجراء شكلي ثانوي يمكن التغاضي عنه.
ثانياً: استطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى كضمانة دستورية
إنّ القيمة الدستورية لاستطلاع رأي مجلس القضاء الأعلى لا تستمدّ فقط من النصوص القانونية التي ترعى صلاحياته، بل من اتصاله المباشر بالمادة 20 من الدستور التي تكرّس استقلال السلطة القضائية. فاستقلال القضاء ليس شعاراً سياسياً، بل بنية مؤسساتية تتطلب إشراك السلطة القضائية في التشريعات التي تنظّم كيانها ووظيفتها وضمانات أعضائها.
لقد أحسن المجلس الدستوري عندما رفض الاكتفاء بدعوة شكلية أو بتمثيل ملتبس لمجلس القضاء الأعلى عبر وزير العدل، لأن ذلك يفرغ مبدأ الاستقلال من مضمونه. فالمقصود بالاستطلاع ليس مجرّد الاستئناس برأي، بل تمكين الهيئة القضائية الجماعية من الاطلاع على النص بصيغته النهائية وإبداء موقف مؤسساتي معلّل. وأي اجتزاء لهذه الآلية يحوّلها إلى إجراء صوري، في حين أنها في جوهرها ضمانة بنيوية لاستقلال القضاء.
ثالثاً: مبدأ فصل السلطات في بعده التكاملي
لا يُفهم القرار في إطار صراع بين السلطات، بل في سياق إعادة ضبط التوازن بينها. فالسلطة التشريعية، وإن كانت صاحبة الاختصاص الأصيل في سنّ القوانين، إلا أنها ليست مطلقة اليد عندما يتعلّق الأمر بتنظيم سلطة دستورية أخرى. ذلك أن مبدأ فصل السلطات، كما كرّسته مقدمة الدستور، يقوم على التوازن والتعاون، لا على الهيمنة.
وإشراك مجلس القضاء الأعلى في التشريع المتصل بالقضاء يجسّد هذا التعاون الدستوري. لذلك جاء الإبطال بمثابة تصويب منهجي للمسار التشريعي، لا انتقاصاً من صلاحية المجلس النيابي.
رابعاً: دلالات الإبطال الكلي
قد يُثار التساؤل حول جدوى الإبطال الكلي بدل الجزئي. غير أنّ المجلس اعتبر أن العيب الشكلي الجوهري شاب القانون برمّته في مرحلة تكوينه النهائية، ما يجعله فاقداً لأحد شروط ولادته الدستورية. فالقانون الذي لم يُستكمل مساره الإجرائي وفق الضمانات المفروضة دستورياً لا يمكن تجزئة عدم دستوريته، لأن العيب يطال بنيته الإصداريّة ذاتها.
انتصار لمفهوم الدولة القانونية
إن هذا القرار لا يُقرأ كواقعة قضائية معزولة، بل كرسالة دستورية واضحة مفادها أن استقلال القضاء ليس تفصيلاً إجرائياً، بل ركيزة من ركائز النظام. وقد أعاد المجلس الدستوري التأكيد أن احترام الأصول الجوهرية في التشريع هو شرط لازم لشرعية النصوص، وأن حماية القضاء تبدأ من حماية دوره في صياغة القواعد التي تنظّمه.
بهذا المعنى، يشكّل القرار انتصاراً لمفهوم الدولة القانونية، حيث لا تعلو إرادة سياسية أو أكثرية ظرفية على مقتضيات الدستور، وحيث يبقى القضاء – تنظيماً وضمانات – خارج منطق الاستتباع، وداخل منطق الاستقلال المؤسسي الكامل.
الرأي المخالف للقاضي إلياس مشرقاني
تعزيزاً لسيادة الدستور لقد جاء الرأي المخالف للقاضي إلياس مشرقاني ليضيء على جانب بالغ الأهمية من جوانب الرقابة الدستورية، وهو الرقابة على الأصول التشريعية (Contrôle de constitutionnalité externe des lois). فبينما وافق القاضي مشرقاني الأغلبية في نتيجة إبطال القانون، فقد خالفها الرأي في ما توصلت إليه بشأن عدم مخالفة القانون للمادة 57 من الدستور، مؤكداً على وجوب إبطال القانون لهذا السبب أيضاً.
تحليل المادة 57 من الدستور اللبناني
تنص الفقرة الثانية من المادة 57 من الدستور اللبناني على ما يلي:”(…) وعندما يستعمل الرئيس حقه هذا يصبح في حلّ من إصدار القانون إلى أن يوافق عليه المجلس بعد مناقشة أخرى في شأنه، وإقراره بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً (…)”. تعتبر هذه المادة حجر الزاوية في منظومة الضوابط والتوازنات الدستورية، إذ تمنح رئيس الجمهورية حق طلب إعادة النظر في القانون، وتفرض على مجلس النواب، في حال إصراره على القانون، إقراره بأغلبية موصوفة هي الغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً. وفي سياق مجلس النواب اللبناني الذي يتألف من 128 عضواً، فإن الغالبية المطلقة تعني 65 نائباً، أي العدد الصحيح الذي يلي النصف مباشرة. هذا الشرط ليس مجرد إجراء عددي، بل هو ضمانة دستورية تهدف إلى تحصين القوانين التي يرى رئيس الجمهورية ضرورة لإعادة النظر فيها، وتأكيد الإرادة التشريعية بأغلبية واضحة لا لبس فيها.
تتلخص حجة القاضي مشرقاني في النقاط الجوهرية التالية:
1. رقابة الأصول التشريعية: أكد القاضي مشرقاني أن رقابة المجلس الدستوري لا تقتصر على مضمون النص التشريعي، بل تمتد إلى أصول التشريع الدستورية، وهو ما استقر عليه اجتهاد المجلس الدستوري نفسه.
2. عدم إثبات الغالبية المطلقة: أشار إلى أن محضري جلستي مجلس النواب والتسجيلات الصوتية لم يثبتا بشكل قاطع عدد النواب الحاضرين وعدد الأصوات التي وافقت على إقرار القانون المطعون فيه بعد رده من قبل رئيس الجمهورية. وهذا يعني عدم تحقق شرط الغالبية المطلقة المنصوص عليها في المادة 57 من الدستور.
3. عدم جواز الاستنتاج أو الافتراض: شدد القاضي مشرقاني على أنه لا يصح استنتاج حصول القانون على الغالبية المطلقة استنتاجاً، ولا يمكن اعتبار تلك الغالبية متوفرة لمجرد قرينة عدم اعتراض النواب. فالنص الدستوري صريح وواضح في اشتراط هذه الغالبية، ولا يجوز التغاضي عن وجوب تأمينها.
4. إلزامية المناداة بالأسماء: أكد أن المناداة على الأعضاء بأسمائهم واستبيان موقفهم، وفقاً للمادة 36 من الدستور، تصبح أكثر إلحاحاً ووجوباً وإلزاماً، خاصة عندما ينص الدستور على غالبية موصوفة، لضمان التحقق من إدراكها وتوثيق عدد الأصوات صراحة وأصولاً. إن تأييد رأي القاضي مشرقاني ينبع من إيمانه الراسخ بأن احترام الأصول الدستورية هو الضمانة الأساسية لشرعية القوانين. فإذا كانت الإجراءات التشريعية نفسها معيبة، فإن القانون الناتج عنها يفقد جزءاً كبيراً من شرعيته الدستورية، حتى لو كان مضمونه سليماً. إن اشتراط الغالبية المطلقة في المادة 57 ليس مجرد رقم، بل هو تعبير عن إرادة دستورية تحصن القوانين من الإقرار المتسرع أو بأغلبية غير كافية بعد ممارسة رئيس الجمهورية لحقه في إعادة النظر. إن عدم توثيق هذه الغالبية بشكل صريح وواضح في المحاضر الرسمية والتسجيلات الصوتية يشكل خرقاً جوهرياً لا يمكن التغاضي عنه أو تفسيره بالاستنتاج.
في الخلاصة، يعد قرار المجلس الدستوري بإبطال قانون تنظيم القضاء العدلي قراراً صائباً يعزز من استقلالية القضاء ويؤكد على أهمية احترام الأصول الدستورية في عملية التشريع. وفي هذا السياق، يكتسب الرأي المخالف للقاضي إلياس مشرقاني أهمية بالغة، حيث يقدم قراءة دقيقة ومبدئية للمادة 57 من الدستور، ويشدد على ضرورة التحقق الصارم من استيفاء الشروط الإجرائية، خاصة تلك المتعلقة بالأغلبية الموصوفة. إن تأييد هذا الرأي هو تأييد لسيادة الدستور، ولحماية العملية التشريعية من أي شبهة إجرائية قد تضعف من شرعية القوانين وتأثيرها. إن التزام المجلس الدستوري، بأغلبيته ورأيه المخالف، بمبادئ الدستور يرسخ دوره كحامٍ للشرعية الدستورية في لبنان.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.