حديث الجمعة_”الإسلام دين الرحمة”

16

المهندس بسام برغوت
الإسلام دين الرحمة والتكافل والتعاون، ربّى المسلمين على حبّ الخير للناس والسعي في قضاء حوائجهم، وجعل ذلك من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربّه. قال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ».
ومعناه أنّ الله تعالى يتولى من سعى في قضاء حاجة أخيه، وهذا الجزاء من جنس العمل؛ فمن أحسن إلى الناس أحسن الله إليه، ومن فرّج عن المكروبين فرّج الله عنه، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى من يعينه ويقف إلى جانبه في أوقات الشدة والضيق، فلا يعيش المسلم لنفسه فقط، بل يحمل همَّ إخوانه ويسعى إلى مساعدتهم بقدر استطاعته، طلبًا لرضا الله تعالى ورجاءً لثوابه العظيم.
ومن صور قضاء حوائج الناس إطعام الجائع، ومساندة الأرملة واليتيم، والوقوف إلى جانب المريض، ومواساة الحزين، وإرشاد الضال إلى الطريق الصحيح.
كما أن قضاء الحوائج لا يقتصر على الأمور المادية فقط، بل يشمل المعاني المعنوية أيضًا. فرب كلمة طيبة ترفع معنويات إنسان مهموم، ورب نصيحة صادقة تنقذ شخصًا من الوقوع في الخطأ، ورب ابتسامة تدخل السرور إلى قلب مسلم، قال النبي ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك صدقة»
وعندما يساعد المسلم أخاه المحتاج فإنه يحقق معاني الأخوة الإيمانية التي دعا إليها الإسلام. فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. وإذا رأى أخاه في ضيق أو كرب لم يقف موقف المتفرج، بل يبادر إلى مساعدته بما يستطيع.
ولقد كان رسول الله ﷺ خير قدوة في خدمة الناس وقضاء حوائجهم. فقد كان رحيمًا بالفقراء والمساكين، قريبًا من الضعفاء، يجيب دعوة المحتاج، ويعين من يطلب العون، ويواسي أصحاب المصائب. وكانت حياته كلها نموذجًا للعطاء والبذل والإحسان. ولذلك أحبّه الناس والتفّوا حوله، لأنه جمع بين حسن العبادة وحسن المعاملة.
وسار الصحابة رضي الله عنهم على نهجه الكريم، فكانوا يتنافسون في أعمال الخير. وكان أحدهم يسعى لقضاء حاجة أخيه وهو يرى ذلك نعمة من الله عليه وفرصة لنيل الأجر والثواب. وقد اشتهر عنهم الإيثار، وهو أن يقدم الإنسان غيره على نفسه في أمور الدنيا ابتغاء مرضاة الله تعالى.
إنّ المجتمع الذي يسود فيه التعاون والتكافل يكون مجتمعًا قويًا متماسكًا، يشعر فيه كل فرد بالأمان والطمأنينة. أما إذا انتشرت الأنانية وحب الذات، فإن الروابط الاجتماعية تضعف وتكثر المشكلات والأحقاد. ولهذا جاء الإسلام ليغرس في النفوس معاني الرحمة والتعاون والإحسان.
ومن ثمار قضاء الحاجات أن الله تعالى ييسر أمور العبد ويبارك له في حياته. فالذي يفتح باب الخير للناس يفتح الله له أبواب الخير من حيث لا يحتسب. والذي يفرّج كرب الآخرين يجد من الله تفريجًا لكرباته عند الشدائد. وقد يهيئ الله له من يساعده عندما يحتاج إلى المساعدة، جزاءً لإحسانه السابق إلى الناس.
كما أن خدمة الآخرين سبب لمحبة الناس واحترامهم. فالإنسان المحسن يترك أثرًا طيبًا في القلوب، ويذكره الناس بالخير والدعاء، وهذه نعمة عظيمة تضاف إلى الأجر المدخر عند الله تعالى. ولذلك كان الحكماء يقولون إن أفضل ما يتركه الإنسان بعده سيرة حسنة وأعمالًا نافعة.
ومن المهم أن تكون المساعدة خالصة لوجه الله تعالى، بعيدة عن الرياء وحب الظهور. فالمؤمن لا يسعى إلى مدح الناس وثنائهم، وإنما يطلب رضا الله عز وجل. وإذا أخلص النية بارك الله في عمله وضاعف أجره وجعل له القبول بين الناس.
ويجب على المسلم أن يبادر إلى فعل الخير كلما سنحت له الفرصة، فلا يحتقر أي عمل نافع مهما بدا صغيرًا. فقد تكون المساعدة اليسيرة سببًا في تفريج همّ كبير عن إنسان محتاج. والله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، بل يجازيهم على أعمالهم خير الجزاء.
ومن صور قضاء الحاجات في عصرنا الحاضر المشاركة في الأعمال التطوعية والخيرية، ودعم المؤسسات التي تعنى بالفقراء والأيتام والمرضى، والمساهمة في نشر العلم النافع، وتقديم المساعدة لمن يحتاجها في مجالات الحياة المختلفة. فكل ذلك يدخل في مفهوم التعاون على البر والتقوى الذي دعا إليه الإسلام.
كذلك ينبغي للآباء والأمهات أن يربّوا أبناءهم على حب الخير وخدمة الآخرين، وأن يغرسوا في نفوسهم روح العطاء منذ الصغر. فإذا نشأ الجيل على هذه القيم النبيلة أصبح أكثر إحساسًا بالمسؤولية تجاه مجتمعه وأكثر حرصًا على نفع الناس.
وفي المقابل، فإن من يتجاهل حاجات الناس وهو قادر على مساعدتهم قد يحرم نفسه من خير كثير. فالإسلام لا يدعو إلى السلبية أو اللامبالاة، بل يحث على التفاعل الإيجابي مع قضايا المجتمع ومشكلاته. وكل إنسان يستطيع أن يقدم شيئًا بحسب قدرته وإمكاناته.
ختاماً ، «مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ». دعوة إلى الرحمة والتعاون والإحسان، وتذكير بأن خير الناس أنفعهم للناس. فإذا أراد المسلم أن ينال معونة الله وتوفيقه ورعايته، فليحرص على قضاء حوائج إخوانه ومساعدتهم والتخفيف عنهم. وبذلك تنتشر المحبة بين أفراد المجتمع، وتقوى روابط الأخوة، وينال العبد رضا الله تعالى وثوابه العظيم في الدنيا والآخرة. نسأل الله أن يجعلنا من أهل الخير والإحسان، وأن يوفقنا لخدمة عباده ابتغاء وجهه الكريم، والحمد لله رب العالمين.
المهندس بسام برغوت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.