إيران «تتلطّى» وراء حُبّها للبنان لتخفي فشلها أمام إسرائيل!!!

32

كتب عوني الكعكي:
ثمة سؤال مهم يطرح عن سبب حديث طهران المتكرّر عن لبنان وضرورة إنهاء الحرب فيه، والجواب على ذلك، أنّ إيران التي لطالما تباهت بقدراتها العسكرية، ولطالما تحدّت وهدّدت بإزالة إسرائيل من الوجود، هُزمت شر هزيمة مرتين، الأولى في حزيران 2025 والثانية في شباط 2026، ولم تعد تمتلك من الناحية العسكرية إلاّ ورقة قوة وحيدة اسمها حزب الله، فتحاول استغلالها للآخر، كي تحظى بقليل من الاحترام على طاولة المفاوضات.
فجأة… ومن دون أي مبرّر… أعلن الإيرانيون التشدّد في مواقفهم خلال المفاوضات الأميركية -الإيرانية، مُصرّين على وقف شامل لإطلاق النار، مساندة لحزب الله ولبنان كما يدّعون… في الحرب التي كان حزب الله قد أطلقها في الثامن من تشرين الأوّل (اكتوبر) 2023 لمساندة غزة، غداة انطلاق معركة «طوفان الأقصى» والحرب الإسرائيلية على القطاع، وقد استهدفت المساندة تلك التي امتدّت من جنوب لبنان، إشغال الجيش الإسرائيلي، وتخفيف الضغط العسكري عن فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة. وكان الهدف الأوّل لحرب الإسناد تلك:
أوّلاً: حرب استنزاف متبادلة، إذ ركز الحزب في البداية على استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية، ومراكز المراقبة والتجسّس على طول الحدود، فيما ردّت إسرائيل بقصف القرى والبلدات الحدودية اللبنانية.
ثانياً: سقوط قواعد الاشتباك، فقد تسبّبت المعارك تدريجياً في اتساع رقعة النار، مما أدّى الى عمليات نزوح واسعة لعشرات الآلاف من المدنيين من جانبي الحدود، ووصل عدد المهجرين اللبنانيين الى مليون مهجر من الجنوب.
ثالثاً: التصعيد الشامل: إذ توسّعت المواجهة لتشمل اغتيالات إسرائيلية، مركّزة على قيادات عسكرية وسياسية بارزة في حزب الله، مثل: فؤاد شكر، وسام الطويل وصولاً الى اغتيال الأمين العام السيّد حسن نصرالله في 27 أيلول (سبتمبر) 2024، إثر غارات جوّية إسرائيلية عنيفة استهدفت المقرّ المركزي للحزب في حارة حريك بالضاحية الجنوبية لبيروت.. وقد أطلقت إسرائيل على تلك العملية اسم «عملية النظام الجديد»، وقد تمّت عملية الإغتيال بإسقاط عشرات القنابل الثقيلة والخارقة للتحصينات على الموقع، واستخدام تقنيات مراقبة جوّية حديثة لتحديد مكانه بدقة من خلال طائرات F-35 وF-15 التي ألقت قنابل يزيد وزنها على ألفي رطل، ممّا أدّى الى تدمير 5 مبانٍ كلّياً، إضافة الى اغتيال السيّد هاشم صفي الدين خليفة شهيد فلسطين السيّد حسن يوم الاربعاء في 23 تشرين الأوّل (اكتوبر) 2024، وهو ابن خالة السيّد حسن.
رابعاً: كما شهدت تلك المرحلة أحداثاً كبرى، ففي أيلول (سبتمبر) 2024، وقبل اغتيال السيّد حسن، جرت تفجيرات أجهزة الاتصالات (البيجر) مما ادى الى إصابة عدد كبير من خيرة عناصر الحزب وارتقائهم الى عدد كبير من المصابين الذين تسبّبت التفجيرات بإعاقات جسدية لهم لن تمحى آثارها من الذاكرة بسهولة.
وتوقفت المواجهات في 27 تشرين الثاني (نوڤمبر) 2024 بعد دخول اتفاق لوقف إطلاق النار حيّز التنفيذ. مما يدل على أنّ إيران تخاف من أميركا ومن إسرائيل.. لذلك عندما خسرت حربين ضدّهما راحت تتلطّى وراء قضية لبنان. هذا الاختباء سببه الحقيقي إلهاء الشعب الإيراني حتى لا يحاسب المسؤولين الإيرانيين عن نتائج حرب أميركا وإسرائيل.. مع أن إيران لا تريد الإعتراف بالخسائر البشرية والاقتصادية التي نتجت عن الحرب مع أميركا. لذلك هربت الى قضية لبنان لإلهاء الشعب الإيراني الذي يعاني الأمرّين من الفقر وانقطاع الكهرباء والوضع الاقتصادي المتردّي، وآلاف المساكن والأبنية التي دمّرها القصف الأميركي بالطائرات والصواريخ. ويكفي أن يصل سعر صرف العملة مقارنة بالدولار، إذ صار الدولار يساوي مليوناً وتسعماية وخمسين ألف تومان، بينما كان أيام الشاه يساوي 35 تومان.
وهنا يبرز التساؤل الأكبر:
لماذا لم تنخرط طهران في مواجهة إسرائيل يومذاك، وهي التي تدّعي حرصها التام والكامل على الحزب مروراً بحرصها على لبنان؟!!
لقد اعتمدت إيران سياسة «البراغماتية السياسية» فتجنّبت الدخول في حرب مباشرة مع إسرائيل لإسناد غزة وإسناد الحزب الذي يُعتبر جزءاً من نظام «الملالي» و«ولاية الفقيه»، معتمدة بدلاً من ذلك على مبدأ «وحدة الساحات» عبر حلفائها في المنطقة كالحوثيين والميليشيات العراقية الموالية لها.
وأعتقد أنّ الأسباب التي منعت إيران من المشاركة تتلخص في:
أوّلاً: تجنّب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة. فإيران تدرك أنّ انخراطها المباشر في حرب ضد إسرائيل سيؤدي حتماً الى تدخل أميركي عسكري مباشر، وهو ما سيكشف فشل إيران الأكيد أمام قوة أميركا.
ثانياً: الاعتماد على استراتيجية «حروب الوكالة». فإيران تفضّل إدارة الصراع وحفظ نفوذها الإقليمي عبر دعم وتنسيق هجمات أطراف «محور المقاومة» بدلاً من تعريض جبهتها الداخلية ومواردها لاستهلاك واستنزاف طويل الأمد في حرب تعلم مسبقاً أنها ستكون فاشلة.
ثالثاً: إعتبارات أخرى:
فالقيادة الإيرانية تواجه تحديات اقتصادية وتوترات سياسية داخلية، وتتعمّد تجنب الحروب واسعة النطاق التي ستزيد من حالة السخط (الغضب) الشعبي والتي ستؤدي الى زعزعة استقرار النظام.
لقد فصّل محللون سياسيون وباحثون في مؤسّسات دولية هذه الدوافع، وأشاروا الى أنّ سياسات إيران تهدف بالأساس الى إبقاء الصراع تحت السيطرة، وتحقيق مكاسب سياسية من دون تجاوز الخطوط الحمر، لاعتقادها بأنها عاجزة عن شن حرب من خلال قواها الذاتية الحرس الثوري و«فيلق القدس» الذي أنشأته بحجة تحرير القدس، فلم يطلق طلقة واحدة على إسرائيل، ولم يبذل أي جهد لتحرير بيت المقدس أو أي جزء من فلسطين المحتلة.
إيران سيطرت على -حد قولها- على 4 عواصم عربية هي: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء… لكنها اعتمدت أساساً على تحقيق نفوذها بأقل تكلفة بشرية مباشرة ممكنة.. وهو ما أشرت إليه في مقال سابق «الحروب بالوكالة» أو «العقيدة الدفاعية الهجومية».
كذلك اعتمدت إيران سياسة «العبء البشري» أي خوض المعارك عبر مقاتلين محليين بهدف حماية الجيش الإيراني النظامي من الخسائر الكبرى… كذلك كان هدفها تجنّب الردود الانتقامية المباشرة على أراضيها.
إيران اعتمدت في بناء نفوذها السياسي باتباع ما يسمّى بـ«القوة الناعمة والمؤسساتية» واستخدام الملف النووي وملف الملاحة البحري (هرمز وباب المندب) كأوراق ضغط للتفاوض.. وباختصار أقول: إنّ إيران حاولت دائماً الإختباء وراء لبنان، لا حبّاً باللبنانيين بل لتغطية فشلها في حربها الأخيرة مع أميركا وإسرائيل.

aounikaaki@elshark.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.