حديث الجمعة_جددوا ايمانكم

7

المهندس بسام برغوت

الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار، تتعاقب فيها الأفراح والأحزان، وتتقلّب فيها أحوال الإنسان بين الراحة والتعب، وبين السعة والضيق، وبين الأمل والخوف. فلا أحد يعيش في هذه الدنيا من دون أن يمرّ بلحظات يشعر فيها بثقل الهموم، أو تضيق عليه فيها سبل الحياة، أو يواجه مرضًا يؤلمه، أو شدةً تُضعف عزيمته. وفي تلك اللحظات، يحتاج الإنسان إلى ما يطمئن قلبه، ويعيد إلى نفسه السكينة، ويذكّره بأنّ وراء كلّ ابتلاء حكمة، وأنّ الله سبحانه وتعالى هو الملجأ الحقيقي الذي لا يُخيّب من رجاه، ولا يردّ من دعاه.

ومن أعظم ما يستعين به المؤمن في مواجهة الشدائد أن يُجدّد إيمانه بالله، وأن يُخلص له العبادة والدعاء، وأن يوقن بأنّ ربّه هو الواحد الأحد، الذي لا شريك له في ملكه وتدبيره، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فذكر الله ليس مجرّد كلمات تُقال باللسان، بل هو صلة عميقة بين العبد وربّه، تُحيي القلب، وتمنح النفس قوّةً على الصبر، وتفتح أمام الإنسان أبواب الرجاء حين تبدو له الحياة مثقلةً بالمصاعب.

قد يُصاب الإنسان بالهمّ عندما يفكّر في المستقبل، أو يقلق بشأن رزقه وأولاده، أو يحمل في قلبه حزنًا بسبب أمر لم يتحقّق، أو يخشى فقدان شيء عزيز عليه. وقد يصيبه الغمّ عندما تتراكم عليه المشكلات، وتضيق أمامه الخيارات، ويشعر بأنّ الأعباء أكبر من قدرته على الاحتمال. أمّا السقم، فهو المرض الذي يُضعف الجسد ويُتعب النفس، والشدة هي كلّ محنة يمرّ بها الإنسان، سواء كانت في المال، أو العمل، أو الأسرة، أو العلاقات، أو غير ذلك من شؤون الحياة.

بيّن الله سبحانه وتعالى أنّ الابتلاء جزء من طبيعة الحياة، فقال: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» (سورة البقرة). إن هذه الاية الكريمة تُعلّمنا  أنّ الشدائد ليست أمرًا غريبًا عن حياة الإنسان، وأنّ الصبر في مواجهتها من أعظم أبواب الأجر. فالمؤمن لا يُقاس إيمانه بعدم تعرّضه للمصاعب، بل بطريقة تعامله معها، ومدى ثقته بالله، وتمسّكه بالحقّ، وحرصه على ألّا تدفعه المحن إلى اليأس أو الظلم أو القنوط.

من أصعب ما يواجه الإنسان في أوقات الشدة أن يطول انتظاره، أو تتكرّر المحاولات من دون أن يرى نتيجة واضحة. ففي تلك اللحظات قد يتسلّل اليأس إلى قلبه، ويبدأ في التساؤل عن سبب ما يحدث له. وهنا تظهر قيمة الصبر وحسن الظنّ بالله؛ فالصبر ليس استسلامًا للواقع، بل هو ثبات أمام الصعوبات، وامتناع عن اليأس، واستمرار في فعل الخير رغم التعب.

إنّ قول الإنسان: «الله ربي لا شريك له» يحمل معاني عظيمة تتجاوز حدود الكلمات. فهو إعلان للإيمان بوحدانية الله، واعتراف بأنّ الله هو الخالق والرازق والمدبّر، وأنّه وحده المستحقّ للعبادة، وأنّ أمور العباد كلّها تحت علمه وحكمته وقدرته. وهو القائل في محكم كتابه :

«أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (سورة الرعد).

إنّ الطمأنينة التي يمنحها ذكر الله لا تعني بالضرورة أن تختفي جميع المشكلات في اللحظة نفسها، بل تعني أن يجد الإنسان في قلبه سندًا إيمانيًّا يساعده على مواجهة ما يمرّ به. فقد يبقى المرض محتاجًا إلى علاج، وقد تحتاج الأزمة المالية إلى وقت وتخطيط، وقد تتطلّب الخلافات حلولًا وحوارًا، لكنّ ذكر الله يجعل الإنسان أكثر قدرةً على التفكير بهدوء، والصبر بحكمة، ومواصلة السعي دون أن يفقد الأمل.

كما ان الدعاء من أعظم العبادات التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه، وهو باب مفتوح في أوقات الرخاء والشدة. وليس على الإنسان أن ينتظر حتى تتراكم همومه ليذكر الله، بل ينبغي أن يجعل الدعاء جزءًا من حياته اليومية، فيحمد الله على نعمه، ويستغفره من ذنوبه، ويسأله الخير والهداية والعافية، ويستعين به في أموره الصغيرة والكبيرة.

يقول الله تعالى: «وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (سورة غافر).تُبيّن هذه الآية الكريمة عظمة الدعاء ومكانته، وتدعو الإنسان إلى ألّا يستسلم للشعور بالعجز، بل أن يلجأ إلى ربّه، ويسأله من فضله. والاستجابة لا تعني دائمًا أن يحصل الإنسان على ما طلبه بالصورة والوقت اللذين يريدهما؛ فالله أعلم بما يصلح عباده، وقد يأتي الخير بطريقة مختلفة عمّا توقّعوه، وقد يحتاج الفرج إلى صبر وعمل وأخذ بالأسباب.

ختاماً ،

إنّ أعظم ما يحمله الإنسان في قلبه هو الإيمان بالله، وأجمل ما يتعلّم في حياته ألّا يجعل الشدائد سببًا لانقطاع رجائه. فحين يُصاب بالهمّ، يلجأ إلى الله؛ وحين يمرض، يسأله العافية ويطلب العلاج؛ وحين تضيق به الحياة، يدعوه بالفرج ويسعى إلى الحلّ؛ وحين ينعم بالراحة، يشكره ويحمده، مستحضراً معنى عبارة «الله ربي لا شريك له»، أنّ الله وحده أهل الثقة والرجاء، وأنّ القلب يجد في الإيمان به قوّةً تعينه على مواجهة تقلّبات الحياة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصابه هم أو غم أو سقم أو شدة فقال: الله ربي لا شريك له، كشف ذلك عنه».

المهندس بسام برغوت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.