حذارِ من غضب الناس… اشهدوا اني بلغت

4

بقلم دافيد عيسى

سياسي لبناني

حذارِ من غضب الناس… فالغضب الذي يولد من الفقر والعجز والمرض ليس غضبًا عابرًا.

إنه غضب يتراكم بصمت، مع كل فاتورة جديدة، ومع كل باب مستشفى يُفتح أمام مريض لا تعرف عائلته كيف ستدفع كلفته، ومع كل أب يعجز عن تأمين أبسط حاجات أولاده.

ما يحصل في لبنان اليوم لم يعد مجرد أزمة اقتصادية أو ضائقة معيشية يمكن تجاوزها بمزيد من الصبر.

فما يعيشه المواطن على كل المستويات المعيشية والاجتماعية والصحية بات ينذر بعواقب خطيرة، لأن تأمين أبسط مقومات الحياة أصبح يحتاج إلى جهد يفوق قدرة الناس على الاحتمال.

المشكلة لم تعد تقتصر على ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بل أصبحت في أن المواطن بات يدفع أكثر من مرة ثمن الخدمات الأساسية.

في الكهرباء، يدفع فاتورتين: واحدة للدولة وأخرى للمولد. وفي المياه، تتعدد الفواتير لتصل إلى ثلاث: فاتورة مياه الشرب، وفاتورة صهريج المياه، وفاتورة الدولة.

وفوق ذلك، تتراكم أعباء الاتصالات والنقل والغذاء والتعليم والدواء وغيرها من الضروريات.

وهكذا، يجد المواطن نفسه، قبل نهاية الشهر، عاجزًا عن تغطية احتياجاته، ومضطرًا إلى الاستدانة حتى يتمكن من تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

أما في القطاع الصحي، فالأمر يصبح أكثر قسوة.

فالمرض لم يعد مجرد أزمة صحية، بل أصبح، في كثير من الحالات، أزمة مالية تهدد الأسرة بأكملها. وقد تستنزف فاتورة الاستشفاء مدخرات سنوات، فيجد رب العائلة نفسه مضطرًا إلى بيع ما يملك أو الاستدانة لتأمين علاج مريض.

والأخطر أن هذه الأزمة لم تعد محصورة بالفقراء.

حتى الميسورون الذين كانوا قادرين في السابق على مساعدة أقاربهم وجيرانهم وأصدقائهم، باتت قدرتهم محدودة أمام حجم الأعباء المتراكمة.

والعائلة التي كانت تشكل شبكة أمان لأفرادها لم تعد قادرة على استيعاب كل هذه الحاجات، فيما بات المغترب الذي يسند أهله أمام عشرات الطلبات التي تتجاوز قدرته.

لقد تجاوزت حاجات الناس قدرة الأفراد على المساعدة، وهذه حقيقة لا يجوز تجاهلها.

نحن ندرك تمامًا أن المنطقة تمرّ بمرحلة بالغة الصعوبة، ونعرف حجم التعقيدات والتحديات السياسية التي تواجهها الحكومة، كما ندرك أن هناك ملفات وقرارات تتجاوز قدرة الدولة على حسمها أو تغيير مسارها.

لكن في مثل هذه الظروف، عليها أن تضع، ولو مؤقتًا، الملفات السياسية التي لا تملك القدرة على حسمها جانبًا، وأن توجّه كل إمكاناتها وطاقتها نحو الناس وحاجاتهم اليومية.

فالأولوية اليوم يجب أن تكون لتخفيف وجع الناس: حماية قدرتهم على تأمين معيشتهم، والاهتمام بصحتهم، وضبط الأسعار ومراقبتها، وتخفيف الأعباء والضرائب، وتأمين الخدمات الأساسية التي تمسّ حياتهم وكرامتهم.

فالناس لا تستطيع الانتظار حتى تنتهي أزمات المنطقة، ولا تستطيع أن تؤجل مرضها أو فاتورتها أو حاجاتها اليومية إلى أن تستقر السياسة.

هناك فرق كبير بين عدم القدرة على حل كل شيء، وبين عدم فعل شيء.

وليس المطلوب اختراع الحلول من الصفر.

فملف الكهرباء وحده يقدم مثالًا واضحًا على مبادرات ومشاريع طُرحت على لبنان، لكنها لم تتحول إلى حل دائم لأزمة مستمرة منذ سنوات.

ففي عام 2012، موّل الصندوق الكويتي للتنمية دراسة فنية واقتصادية لإنشاء معامل جديدة، وأبدى الصندوق، بالتعاون مع الصندوق العربي، استعداده للنظر في تمويل المشروع بقرض ميسّر بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار. وفي عام 2020، كانت شركة «سيمنس» من الشركات الدولية التي عرضت المساعدة في تطوير قدرة معامل الكهرباء اللبنانية، بما في ذلك مقترحات لتحسين معملي دير عمار والزهراني من دون كلفة على الدولة في أحد العروض.

وفي عام 2023، أعلنت قطر استعدادها للمساهمة في إنشاء ثلاثة معامل للطاقة البديلة، على أن يؤمّن الجانب اللبناني الأراضي اللازمة لتنفيذ المشروع.

قد تختلف أسباب تعثر هذه المبادرات من عرض إلى آخر، لكن النتيجة التي تهم المواطن واحدة: سنوات مرت، وما زالت أزمة الكهرباء قائمة، فيما يدفع اللبناني كلفة الكهرباء مرتين.

ولعل الخطوة الأولى والجديّة تبدأ بعقد خلوة حكومية استثنائية تمتد لعدة أيام، لا تكون مجرد مناسبة جديدة لإصدار البيانات أو لإلقاء مسؤولية ما حصل وما يحصل على «خفافيش الليل»، بل مساحة فعلية للعمل الجاد والنقاش المسؤول، تنتهي بخطة واضحة ومحددة.

خطة تنطلق من واقع الناس بكل أوجاعه وتفاصيله، وتضع في مقدمة أولوياتها الملفات الأكثر إلحاحًا، من الاستشفاء والدواء إلى الكهرباء والغذاء والمياه والحماية الاجتماعية، مرورًا بالحد من الهدر ورفع كفاءة الإدارة العامة.

والأهم أن تنتهي هذه الخلوة بقرارات لا تحتمل التأويل: أولويات محددة، ومهل زمنية معلنة، ومسؤوليات واضحة، وآلية متابعة فعلية تراقب التنفيذ وتحدد مكامن التعثر.

فالمطلوب اليوم ليس مزيدًا من الكلام، بل خطة تُنفّذ، وقرارات تُترجم إلى نتائج، ومسؤولية تُقاس بما يتحقق على الأرض.

فالمطلوب ليس اجتماعًا آخر ينتهي ببيان جديد «لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ»، ولا مزيدًا من الوعود التي قد تحتاج سنوات طويلة قبل أن تتحول إلى واقع.

المطلوب أن يشعر المواطن بأن هناك من يسمعه، وأن الدولة لا تزال قادرة على فعل شيء من أجله؛ لأن المواطن لا يطلب المستحيل، بل يريد، قبل كل شيء، أن يشعر بأن الدولة تراه وتسمعه.

وعلى الحكومة أن تدرك أن خلف كل فاتورة عائلة، وخلف كل مريض أسرة خائفة، وخلف كل أب عاجز عن تأمين حاجات أولاده إنسانًا يعيش تحت ضغط لا يجوز أن يستمر إلى ما لا نهاية.

وحذارِ من أن نخطئ في قراءة هذا الواقع.

غضب الناس لا يبدأ بالضرورة في الشارع. أحيانًا يبدأ بالصمت، وبفقدان الثقة، وبالشعور بأن لا أحد يسمع، وأن كل يوم جديد يحمل عبئًا جديدًا، وأن المواطن متروك لمصيره في مواجهة المرض والفقر وارتفاع كلفة الحياة.

لقد صبر الناس بما يكفي، وتحمّلوا ما يفوق طاقتهم، وساعدوا بعضهم بعضًا إلى الحد الذي أصبحت فيه قدرة حتى الميسورين على المساعدة محدودة.

لذلك، فإن المطلوب خلوة حكومية الآن، لا غدًا؛ خلوة لا تنتهي ببيان، بل بقرارات؛ لا بوعود، بل بإجراءات؛ ولا بتشخيص جديد للأزمة، بل بخطوات تخفف فعليًا عن الناس.

قد لا تملك الحكومة القدرة على أن تمنح اللبناني حياةً مرفّهة، لكنها تملك، على الأقل، أن تؤمّن له احتياجاته الأساسية، وأن تجعل حياته قابلةً للاحتمال.

وقد لا تكون قادرةً على حلّ الأزمة بكل تعقيداتها دفعةً واحدة، لكنها قادرة على أن تبدأ بوقف النزيف، والحدّ من الأعباء، والتخفيف من وطأة المعاناة عن الناس.

فحذارِ أن نصل إلى اللحظة التي ينفد فيها صبر الناس، وتُستنفد قدرتهم على الاحتمال.

عندها لن يكون السؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟

بل سيكون السؤال الأشدّ إيلامًا: لماذا لم نفعل ما كان باستطاعتنا فعله، حين كان لا يزال في الوقت متّسع؟

اللهمّ اشهد أنّي قد بلّغت.

دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.