الحروب كالفيروسات… والتعافي الذكي مناعة الدُول
بقلم سحر ناصر
مع العودة إلى المدارس، يعود موسم مألوف من الفيروسات. تبدأ العدوى من الحالة صفر بأول طفل يُصاب في الصفّ، ثم تنتقل إلى زملائه ويحملها كلٌّ منهم إلى أسرته، ومنها إلى أماكن عمل الوالدين. وخلال أيام تتحوّل الإصابة «صفر» إلى شبكة انتقال واسعة تنتشر في الدول والمجتمعات.
علميًا، نحن أمام تفاعل معقد بين الموسمية البيولوجية للفيروسات التي تتحرك ضمن موجات متداخلة بين قوّة الفيروس وقدرته على التحوّر الجيني، وخصائص الشبكة التي يدخل إليها والمؤلفة من: السلوك البشري وكثافة الاختلاط، سرعة الانتقال، مستوى المناعة، والمناخ، وقدرة النظام الصحي على الاحتواء.
منطق الفيروسات هذا يُقدّم مدخلًا لقراءة تداعيات الحرب الإسرائيلية الأمريكية -الإيرانية التي لم ينتهِ موسمها بعد، والتي انتقلت من الحالة صفر إلى منطقة الشرق الأوسط وإلى العالم بأسره، ومن الهدف العسكري المباشر للنظام الإيراني إلى الموانئ والمطارات، ومنها إلى ناقلات النفط وشركات التأمين، ثم إلى تكاليف الشحن وأسعار الطاقة والأسواق. وأدخلت المنطقة برمتها في لعبة «انتقال الأثر الاستراتيجي» الذي تتطلع طهران إلى تسريع وتيرة انتشارها من خلال نقل آثار الصدمة التي تقع في نقطة معيّنة إلى شبكة كاملة، ومن ثم إنتاج متحوّر جديد عند كل جبهة.
لكن علم الأوبئة يعلّمنا أنّ مواجهة الفيروس لا تقوم فقط على محاولة منع إنتاجه أو دخوله بالجسد، وإنما ببناء مناعة أقوى، واتباع مسار ذكي للتعافي. وهنا يظهر نموذج الأمن الخليجي الحالي. فبالتزامن مع التحركات الدبلوماسية الرامية إلى منع الضربات، تعمل دول الخليج اليوم وفق منظومة مناعة متكاملة تدور حول سؤال واحد: كيف تستمر الدول في العمل إذا وقعت الضربة؟
فقد أدركت هذه الدول أنها لا تستطيع ضمان اعتراض كلّ صاروخ أو طائرة مسيّرة، أو منع كلّ اضطراب بحري، لكنها تستطيع تعزيز مناعتها الداخلية التي تُساعدها على امتصاص الصدمة، وبناء مسار ذكي للتعافي من خلال تأمين الغذاء والدواء والطاقة والمياه والاتصالات، وضمان استمرار عمل مؤسساتها ومطاراتها وموانئها، عبر شبكاتها الداخلية والخارجية.
وهنا، تبدو التجربة القطرية نموذجًا لهذه الاستراتيجية. فقد أكد معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، خلال منتدى قطر الاقتصادي – بلومبرغ الذي انعقد في نيويورك مؤخراً، أنّ «دولة قطر مرت بالكثير من التحديات، وفي كلّ مرة كانت تخرج منها أكثر قوة».
وأشار إلى أن الأزمات اختبرت ركائز الدولة، من الأمن إلى سلاسل الإمداد والنظام المالي، وأنّ سنوات الاستعداد انعكست على قدرة المؤسسات والشركات على مواصلة العمل. ليبرز من خلال هذا التصريح ما يُمكن أن نسميه بـ»الذاكرة المؤسسية للأزمات».
فكما يحتفظ الجهاز المناعي بذاكرة تساعده على الاستجابة بصورة أفضل عند مواجهة الخطر مجددًا، استطاعت عدد من دول الخليج وأبرزها قطر إلى تحويل أزماتها السابقة إلى معرفة مؤسسية تتمثل في مخزونات استراتيجية، وتنويع سلاسل الإمداد، وإيجاد مسارات بديلة للطاقة، وبناء بنية تحتية أكثر مرونة، وتطوير القدرات السيبرانية، وتسريع آليات اتخاذ القرار، وتعزيز الاستجابة المجتمعية. وبالتالي، أصبحت كل أزمة اختبارًا للدول تكتشف فيها نقاط ضعفها التي ينبغي إصلاحها قبل الأزمة التالية. وقد أظهرت الحرب الأمريكية-الإيرانية وما يدور في فلكها من تحركات على الجبهة البرية والبحرية أن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن الأمن البحري، وأن الأمن العسكري مرتبط بالأمن الغذائي والمالي والسيبراني، وأن مضيقي هرمز وباب المندب، والموانئ والمطارات، وشبكات الكهرباء والمياه، أصبحت جميعها أجزاءً من منظومة أمنية واحدة.
ومع انعقاد الدورة الحادية والثمانين للأمم المتحدة 2026 التي يجتمع فيها قادة العالم تحت شعار «إعادة بناء الثقة وإدارة التحول»، تتضح المؤشرات بحدوث تحوّلات نوعية في النظام الدولي لا محالة، وأنه لا يمكن للدول منع هذه التحولات التي قد تكون على شكل أزمات وحروب، بقدر ما يُمكنها أن تضمن استمرارها في العمل لتكون أكثر مناعة عندما تقع الضربات، وأن تنتهج مساراً للتعافي الذكي يُناسب موقعها، واستراتيجيتها، وأجهزتها، وشبكتها.
في كلّ عام، يعود موسم الفيروسات ليختبر مناعتنا، كما تعود الأزمات لتختبر مناعة الدول. والدرس في الحالتين واحد: الفيروسات لا تنتهي، وكذلك الحروب. التحدّي أمامنا ليس في أن نكون خارج دائرة الإصابة، بل في السيطرة على وتيرة الانتشار، وألّا تتحول الإصابة إلى انهيار، وأن نخرج من المتحوّرات أشدّ مناعة، وأن نرسّخ في الذاكرة ما حدث، وألا نُفرط في دفع فاتورة باهظة لشراء كل العلاجات، بل أن نتخذ من التعافي الذكي سبيلاً لإعادة الحالة إلى المكان الذي انطلقت منه.. «المربع صفر».
سحر ناصر
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.