حديث الجمعة_أفلا يعقلون
بقلم الشيخ د. أسامة حداد
المفتش العام للأوقاف في دار الفتوى
هل تكفي التربية الدينية في مدارسنا أن تحفظ الطالب جملة من الأحكام والنصوص؟ أم أن وظيفتها الأعمق أن تبني إنسانًا واعيًا، قادرًا على فهم دينه، وإعمال عقله، وربط النص بواقعه، والتعامل مع مجتمعه المتعدد بروح المسؤولية والرحمة والاحترام؟
سؤال يفرض نفسه بقوة في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والفكرية، وتتزايد الحاجة إلى خطاب ديني يجمع بين ثوابت النص ومتغيرات الواقع.
من هنا جاء النقاش في برنامج «أفلا يعقلون» حول التربية الدينية والمناهج الإسلامية في المدارس، حيث طُرحت رؤية تقوم على التمييز بين التعليم الديني والتربية الدينية، وعلى ضرورة الانتقال من مجرد نقل المعلومة إلى بناء القدرة على فهمها وتطبيقها.
التعليم شيء.. والتربية شيء آخر
ثمة فرق جوهري بين أن نُعلّم الطالب الدين وأن نُربّيه على الدين. فالتعليم الديني يعرّفه بمبادئ الدين وأحكامه، أما التربية الدينية فهي أن تتحول هذه المعرفة إلى وعي وسلوك وقدرة على التطبيق في الحياة اليومية.
ومن هنا، فإن وظيفة المدرسة لا ينبغي أن تقف عند حدود التلقين والحفظ، بل أن تصقل المعرفة، وتربطها بالواقع، وتساعد الطالب على تحويل القيم التي يتعلمها إلى ممارسات في علاقاته وأسرته ومجتمعه.
العقل والنقل.. تكامل لا خصومة
لا ينبغي تصوير العلاقة بين العقل والنقل على أنها علاقة صراع أو تناقض؛ فالدين لا يقوم على العقل وحده، ولا على النقل بمعزل عن العقل، وإنما على التفاعل بينهما، مع الحفاظ على مكانة النصوص القطعية وثوابت العقيدة.
وإعمال العقل ليس دعوة إلى الشك في القرآن الكريم أو السنة النبوية، بل هو طريق إلى مزيد من الفهم واليقين. فالحديث النبوي، مثلًا، يحتاج إلى دراسة سنده ورجاله ودرجة ثبوته، بينما يبقى القرآن الكريم مرجعًا أساسيًا في بناء الفهم الديني، من خلال التلقين المصحوب بالفهم والوعي.
ولا تستطيع حصة دينية محدودة في المدارس أن تتحول إلى معهد متخصص في المذاهب والفرق، لكن ذلك لا يعني إلغاء الاختلاف. فمن المفيد أن يعرف الطالب، في بعض المسائل، أن هناك أكثر من رأي فقهي؛ فهذا رأي الحنفية، وذاك رأي الشافعية، من دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
وتزداد أهمية ذلك في مجتمع متنوع كلبنان، حيث ينبغي للمناهج أن تراعي التنوع المذهبي والديني، وأن تعلّم الطالب أن الاختلاف يمكن أن يكون مجالًا للمعرفة والاتساع، لا سببًا للنزاع.
النص في سياقه.. والاجتهاد في مواجهة المتغيرات
من القضايا المهمة أيضًا فهم العلاقة بين الحكم الشرعي وتغير الزمان والمكان والظروف. والمقصود ليس تغيير النصوص أو العبث بالأحكام، وإنما فهم مناط الحكم وسياقه وكيفية تنزيله على الواقع.
ومن هنا تبرز أهمية استمرار باب الاجتهاد، مع التمييز بين النص الإلهي وبين القواعد والاجتهادات البشرية التي وضعها العلماء لفهم النص. فالإنسان لا يملك تغيير كلام الله أو كلام رسوله، لكنه يملك أن يجتهد في فهم الدلالة وتنزيل الحكم على الوقائع المتغيرة.
من آيات القتال إلى قيم السلام
في البيئة اللبنانية، ينبغي أن تكون الأولوية في التربية الدينية لبناء الطالب على الصدق والأمانة والنظافة واحترام الآخر والمواطنة والسلام، وألا تُقدّم آيات القتال بمعزل عن سياقاتها التاريخية والاجتماعية.
فالقرآن الكريم كتاب واحد لا يُنتقى منه ما يوافق أهواءنا ويُترك ما لا يوافقها، وإنما المطلوب تقديم النص في سياقه الصحيح، وتعليم الطالب أن الدفاع عن النفس شيء، والعدوان والاقتتال شيء آخر.
وتبقى السيرة النبوية نموذجًا حيًا في هذا المجال، ولا سيما موقف النبي صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة، حيث ظهرت قيم العفو والتسامح والسلام، بما يؤكد أن القوة لم تكن غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية الحق وإقامة العدل.
صورة الآخر في المناهج
في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب، تصبح صورة «الآخر» التي يقدمها المنهج الديني للطالب مسألة بالغة الأهمية. فلا ينبغي أن تقوم التربية الإسلامية على تلقين أوصاف جارحة أو إقصائية بحق المخالفين أو غير المسلمين.
ومن المهم أن تتضمن المناهج دروسًا حول قبول الآخر في الإسلام، وحول كيفية تعامل المسلم مع المواطن المسيحي في مجتمع متنوع.
قال تعالى:
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
وهذه الآية تؤسس لمنهج يقوم على الحوار والبحث عن المشترك والتعايش، من دون إلغاء الخصوصية الدينية أو الهوية.
من النص إلى الوعي
لا ينبغي إلغاء التعليم الديني، بل المطلوب تطويره وتوسيع أثره. فلا تعارض بين تعليم العقيدة والعبادات والأحكام من جهة، وتعليم الأخلاق والمواطنة والتعايش من جهة أخرى؛ بل المطلوب أن تلتقي كلها في شخصية الطالب: إيمانًا وسلوكًا، عقيدةً وأخلاقًا، صلةً بالله وصلةً بالناس.
فالمدرسة التي تعلم الطالب الصلاة والصيام، ينبغي أن تعلمه أيضًا الصدق والأمانة؛ والتي تعلمه العقيدة، ينبغي أن تعلمه احترام الإنسان؛ والتي تعرفه الحلال والحرام، ينبغي أن تساعده على فهم مقاصد الشريعة؛ والتي تعرّفه تراثه، ينبغي أن تعلمه أدب الاختلاف.
وفي مجتمع متنوع كلبنان، تبدو هذه المهمة أكثر إلحاحًا: أن نربي جيلًا يعرف دينه من غير تعصب، ويتمسك بثوابته من غير إقصاء، ويعمل عقله من غير أن يفقد صلته بنصه، ويحترم الآخر من غير أن يتخلى عن هويته.
إن التربية الدينية التي نحتاج إليها ليست مجرد حفظ للنصوص، بل هي رحلة من النص إلى الفهم، ومن الفهم إلى الوعي، ومن الوعي إلى السلوك.
التربية الدينية في المدارس.. من حفظ النصوص إلى صناعة الوعي
مقتبس من مقابلة تلفزيونية مع الشيخ الدكتور أسامة حداد
المفتش العام للأوقاف الإسلامية في دار الفتوى
الشيخ د. أسامة حداد
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.