خرافة النّكبة الشّيعيّة – 1

42

بقلم نديم قطيش

«أساس ميديا»

عادت فكرة “مظلوميّة الأمّة الشيعيّة” العابرة للحدود الوطنيّة لتطلّ برأسها من بوّابة أنّ تفكّك محور الميليشيات الإيرانيّة أو ما يسمّى “محور المقاومة”، سيطلق العنان لردّ فعل شيعيّ عنيف وخطير، ما لم يُصَر، بضغط من القوى الغربيّة والدول الإقليميّة، إلى “دمج” البيئات الشيعيّة في أنظمة سياسيّة جديدة.

هذه خلاصة مقالة مطوّلة في مجلّة “فورين أفيرز” (Foreign Affairs) كتبها ولي نصر وماريا فانتابي، ومحورها أنّ الصراع السنّيّ الشيعيّ هو المبدأ الناظم الذي يفسّر ديناميّات الشرق الأوسط. 

لا يكتفي هذا الطرح بتشخيص خاطئ للّحظة الحاليّة التي أنتجتها هزيمة “الحزب” وسقوط نظام الأسد، بل يسيء قراءة الفاعلين المعنيّين، ويتخيّل “مظلوميّة شيعيّة” شاملة عابرة للحدود، ليس لها أيّ أساس في السياسات المعلنة أو الحقائق المعيشة للمجتمعات الشيعيّة من بيروت إلى بغداد إلى صنعاء.

وإن وُجدت لها ملامح هنا أو هناك، فهي مظلوميّة أنتجتها أيديولوجية مُصطنَعة، وليست شعوراً مجتمعيّاً عضويّاً.

الدّمج فكرة سورياليّة

في لبنان، تبدو الدعوة لدمج الشيعة في النظام السياسيّ فكرة سورياليّة تماماً. على مدى ثلاثة عقود كان الشيعة، بقوّة الدستور قبل قوّة الوقائع السياسيّة الذاتيّة أو الإقليميّة، هم محرّك النظام السياسيّ. لم يعانِ الشيعة من أيّ قصور تمثيليّ، في جميع مفاصل الدولة الأساسيّة: الوزارات، النظام القضائيّ، الأجهزة الأمنيّة، الجيش. وضُمنت حصّتهم الوازنة من الإنفاق العامّ وصناديق الرعاية.

فوق ذلك، ظلّ الشيعة الطائفة الكبرى الوحيدة التي لديها جيش خاصّ تحت ستار “المقاومة”. الإقصاء كان من نصيب المسيحيّين الموارنة بعد أن تولّت “سوريا الأسد” تنفيذ نسخة مشوّهة من اتّفاق الطائف 1989، تمحورت حول نفي أو سجن قادة المجتمع المسيحيّ.

إذا كان من إحباط في لبنان اليوم فهو إحباط السنّة بعد أن قتل “الحزب” زعيم الطائفة التاريخيّ رفيق الحريري عام 2005، وانسحب لاحقاً وريثه الرئيس سعد الحريري من الحياة السياسيّة.

حقيقة الأمر أنّ الضرورة السياسيّة الملحّة في بيروت اليوم ليست زيادة تمكين الشيعة، بل تنفيس تضخّمهم السياسيّ المدعوم إيرانيّاً، والعودة بالطائفة الى سويّة التكافؤ السياسيّ مع الآخرين.

في العراق الأزمة سنّيّة

تصبح حجّة المظلوميّة الشيعيّة أكثر سورياليّة بالحديث عن العراق، حيث تدير النخبة السياسيّة الشيعيّة الدولة، بشكل شبه حاسم منذ إطاحة واشنطن بصدّام حسين عام 2003. إنّ أزمة الإقصاء الحقيقيّة في العراق هي أزمة سنّيّة بعد أن فُكّكت القوى السياسيّة السنّيّة ودُمّرت الحواضر وجرى وصم السنّيّة السياسيّة بالارهاب.

أمّا المفارقة الأكثر سطوعاً فهي أنّ الانتفاضة الشعبيّة الكبرى عام 2019، التي هيمن عليها اللون الشيعيّ، لم تكن بغرض طلب حماية العراقيّين الشيعة من السنّة، بل كانوا يحرقون القنصليّات الإيرانيّة وصور رموز النظام السياسيّ في طهران ويلعنون قادة الميليشيات الذين استولوا على حكومتهم السياديّة.

كان مطلب الأغلبيّة المدنيّة الشيعيّة هو دولة عراقيّة ذات سيادة، وليس إقطاعيّة طائفيّة تابعة لإيران. هذا ما أظهرته نتائج الانتخابات الأخيرة التي صوّتت فيها أكثريّة عراقيّة ضدّ الأطراف المحسوبة على بيئة الميليشيات والفصائل.

أمّا في سوريا فالعَلويّون ليسوا من الشيعة الاثني عشريّة. لقد كان التحالف بين طهران ونظام الأسد شراكة جيوسياسيّة قائمة على المصالح المتبادَلة، وليس نتيجة يقظة دينيّة تزعّمتها إيران. إنّ التحدّي الذي يواجه العلويّين في سوريا ما بعد الأسد هو تحدٍّ يواجهه الدروز والأكراد بحدّة أكبر نتيجة التجاذب حول شكل النظام السياسيّ ومعالجة رواسب الحرب الأهليّة وتداعيات اصطفاف المكوّنات المذهبيّة والعرقيّة السوريّة فيها.

لا علاقة لهذا الأمر بأيّ مشترَكات وهميّة بين العلويّين السوريّين وبين “أمّة شيعيّة عابرة للحدود” يجب أن يُصار إلى معالجة مشاكلها وهواجسها.

ماذا عن اليمن؟

الحوثيّون هم حركة قبليّة زيديّة، ظلّوا لقرون طويلة خارج مراتب المؤسّسة الدينيّة في قم. لم يسمع بهم الشيعيّ العاديّ في بيروت، حتّى داخل بيئة “الحزب”، إلى أن قرّر حسن نصرالله في عام 2015 ضمّهم إلى “محوره الكبير”.

استغرق الأمر سنوات من الدعاية المتواصلة والخُطب والتحريض والاستثمار المادّيّ لتصنيع حدّ أدنى من الإحساس بالتضامن بين الضاحية الجنوبيّة لبيروت، وجبال شمال اليمن. هذا ليس شعوراً تضامنيّاً مجتمعيّاً عضويّاً داخل “الأمّة الشيعيّة الواحدة”، بل أيديولوجية مُصطنَعة، تمّ فرضها من الأعلى، نتيجة حاجات الصراع الإيرانيّ مع السعوديّة والخليج عبر اليمن.

النّهضة الدّينيّة لا تساوي التّعبئة السّياسيّة

يكمن الخلل الفكريّ الأعمق في مقالة ولي نصر وماريا فانتابي في الافتراض الخطير بأنّ تعبيرات “النهضة الدينيّة” تساوي “التعبئة السياسيّة”. ملايين الشيعة الذين يزورون أضرحة النجف وكربلاء كلّ عام يعكسون الهويّة الدينيّة النشطة للشيعة، لكنّهم ليسوا امتداداً أوتوماتيكيّاً لخيار تأييد حروب “الحزب” الخارجيّة أو تعبير عن رغبة أبديّة في الخضوع لهيمنة إيران على حساب الولاء لدولهم.

يتبع غداً

نديم قطيش

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.