رياض سلامة بين مقتضيات العدالة وحرمة الحق في الحياة / 1

8

بقلم د. ابراهيم العرب

في ظل استمرار الملاحقة القضائية لحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، لفت مرجع رسمي إلى ضرورة تسريع محاكمته وإنجاز التحقيقات وإصدار القرارات القضائية التي تحسم وضعه القانوني، سواء لجهة استمرار توقيفه أو إخلاء سبيله وفقاً للأصول القانونية، مع اتخاذ التدابير التي تضمن حضوره أمام القضاء وعدم مغادرته البلاد عند الاقتضاء.

وقد جاء هذا الموقف، وفقاً للمعلومات المتداولة، إثر تلقي المرجع تقريراً عن الوضع الصحي لسلامة، يفيد بأن حالته دخلت مرحلة مقلقة، وأن الأدوية التي يتناولها لم تعد كافية لضبط ضغط الدم، فضلاً عن تعرضه لاضطرابات في التوازن انعكست على قدرته على الحركة، حتى بات يمضي معظم وقته مستلقياً. كما أشار التقرير إلى أنه لم يتمكن، خلال إحدى جلسات التحقيق، من الاستمرار واقفاً بناءً على طلب القاضي، قبل أن يسقط أرضاً.

واللافت في هذا السياق أن المرجع لم يطالب بإطلاق سراح سلامة أو التدخل في المسار القضائي، بل شدد على ضرورة الإسراع في التحقيقات والوصول إلى قرار قضائي يضع حداً لحالة التوقيف المفتوحة، ويحدد وضعه القانوني وفقاً لما تقتضيه الأدلة والقانون.

وهنا تبرز مسألة تتجاوز شخص رياض سلامة وموقعه السابق، لتلامس جوهر العدالة الجنائية ومفهوم الحرية الشخصية: هل يجوز أن يتحول التوقيف الاحتياطي، الذي يفترض أن يكون تدبيراً إجرائياً استثنائياً، إلى وضع مستمر من دون حسم قضائي، في وقت تتدهور فيه الحالة الصحية للموقوف وتصبح سلامته موضع قلق جدي؟

ففي زمن العفو العام، الذي أدى إلى إسقاط الدعوى العامة ومحو العقوبات عن أعداد كبيرة من الموقوفين والمحكومين، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى مراعاة الاعتبارات الإنسانية والصحية في التعامل مع موقوف مسنّ يعاني أوضاعاً صحية مقلقة، وعن إمكان إخلاء سبيله، مع إخضاعه للتدابير القانونية المناسبة، واستمرار محاكمته ومساءلته من خارج مكان التوقيف، متى توافرت الشروط القانونية لذلك.

إن المطالبة بمراعاة الوضع الصحي للموقوف لا تعني المطالبة بإعفائه من المحاكمة، كما أن إخلاء سبيله لا يعني تبرئته أو إسقاط المسؤولية المحتملة عنه. فالتوقيف ليس عقوبة مسبقة، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة للعقاب قبل صدور الحكم، بل هو تدبير احتياطي تبرره ضرورات التحقيق والمحاكمة، وينبغي أن يظل متناسباً مع الغاية التي شرّع من أجلها.

قانون العفو العام والتحفظ التفسيري للمجلس الدستوري: إشكالية الأثر الزمني وحدود التفسير

ولا يمكن مقاربة الوضع القانوني لرياض سلامة بمعزل عن الإشكالية التي أثارها قانون العفو العام رقم 70/2026، ولا سيما في ما يتعلق بالجرائم المالية وجرائم الفساد، وبالتحديد الاستثناء المتصل بجرائم الإثراء غير المشروع الواردة في القانون رقم 189 تاريخ 16 تشرين الأول 2020.

فقد نص البند التاسع من المادة الثانية من قانون العفو العام على استثناء جرائم الإثراء غير المشروع الواردة في القانون رقم 189، المتعلقة باختلاس الأموال العمومية أو إساءة الأمانة بها أو سرقتها، أو بالأموال العائدة إلى المؤسسات المالية والمصرفية، إضافة إلى التهرب الضريبي.

ومن هنا تبرز أهمية التاريخ الذي صدر فيه القانون رقم 189، أي 16 تشرين الأول 2020، باعتباره تاريخاً فاصلاً في تحديد نطاق الاستثناء الذي أورده المشرع. ذلك أن الاستثناء، بصيغته التشريعية المحددة، ربط جرائم الإثراء غير المشروع بالقانون المذكور، ولم ينص صراحة على استثناء جميع الجرائم والأفعال ذات الطبيعة الفاسدة، بصرف النظر عن القانون الذي كانت خاضعة لأحكامه وعن تاريخ ارتكابها.

وبالتالي، فإن الجرائم المرتكبة قبل صدور القانون رقم 189، وإن كانت تتصل بأفعال من قبيل اختلاس الأموال العمومية أو إساءة الأمانة بها أو سرقتها، لم تكن مشمولة حكماً بالاستثناء المحدد في البند التاسع لمجرد ورود هذه الأفعال ضمن قانون الإثراء غير المشروع الصادر عام 2020. وكان من شأن هذا التحديد أن يفتح المجال أمام استفادة مرتكبي الأفعال السابقة على صدور القانون المذكور من أحكام العفو العام، متى توافرت في أفعالهم سائر الشروط القانونية للاستفادة منه، ولم تكن تلك الأفعال مشمولة باستثناء آخر من استثناءات القانون.

ولا بد هنا من التمييز بين أمرين: عدم شمول فعل معين بالاستثناء المحدد في قانون العفو، وبين انتفاء صفته الجرمية وفقاً للتشريعات التي كانت نافذة عند ارتكابه. فالأمر الأول يتعلق بنطاق العفو، أما الثاني فيتصل بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات وعدم رجعية النصوص الجزائية الأشد.

غير أن المجلس الدستوري، في قراره رقم 12/2026، الصادر بتاريخ 12 تشرين الأول 2026، اتجه إلى اعتماد تفسير أوسع لنطاق جرائم الفساد المستثناة من العفو العام، فلم يحصر هذه الجرائم بما ورد في البندين التاسع والعاشر من المادة الثانية، بل اعتبر أن الاستثناء يشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين المرعية الإجراء والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان، سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص، وجميع المتورطين فيها أياً كانت صفتهم.

وبذلك، لم يعد الاستثناء، وفقاً للتفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، محصوراً بالجرائم المحددة في قانون الإثراء غير المشروع رقم 189/2020 أو في قانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، بل امتد ليشمل طيفاً واسعاً من الجرائم التي تدخل في مفهوم الفساد، ومنها الرشوة وصرف النفوذ والاختلاس واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة وسائر الجرائم ذات الصلة.

وهنا تكمن الإشكالية الدستورية التي تستحق التوقف عندها: هل يقتصر دور المجلس الدستوري على استبعاد التفسير المخالف للدستور واعتماد التفسير الذي يضمن توافق النص معه، أم يجوز أن يؤدي التحفظ التفسيري إلى توسيع الاستثناءات التي حددها المشرع، وإضافة فئات من الجرائم لم يرد ذكرها صراحة ضمن الاستثناءات التشريعية؟

إن المسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف في فهم عبارة قانونية، بل بحدود العلاقة بين السلطة التشريعية والسلطة الدستورية الرقابية، وبمدى جواز أن يؤدي التفسير إلى نتيجة تتجاوز ما يمكن استخلاصه من إرادة المشرع، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقانون عفو عام يترتب عليه إسقاط الدعوى العامة ومحو العقوبات.

فالمشرع، عندما يضع استثناءات من العفو العام، يكون قد رسم بنفسه الحدود التي لا يمتد إليها العفو، ولا يجوز إغفال أن تحديد نطاق العفو والاستثناء منه يدخل أصلاً في صميم سلطته التشريعية. ومن ثم، فإن توسيع هذه الاستثناءات عن طريق التفسير يطرح سؤالاً جدياً حول ما إذا كنا أمام تفسير للنص أم أمام إضافة حكم تشريعي جديد إليه، وما إذا كان ذلك ينسجم مع مبدأ الفصل بين السلطات والحدود الدستورية لاختصاص المجلس الدستوري.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى أن المحاكم الجزائية اللبنانية تشهد اليوم تبايناً في التعامل مع التحفظات التفسيرية الصادرة عن المجلس الدستوري. فثمة محاكم تأخذ بهذه التحفظات وتعتبرها ملزمة في تطبيق النصوص القانونية، في حين تذهب محاكم أخرى إلى عدم الأخذ بها عندما ترى أنها تؤدي إلى تعديل إرادة المشرع أو توسيع نطاق الاستثناءات التي لم ينص عليها القانون صراحة، وقد انعكس هذا الاختلاف بصورة واضحة في بعض قضايا التزوير، حيث أخذت بعض المراجع القضائية بالتفسير الذي اعتمده المجلس الدستوري، بينما رفضت مراجع أخرى تطبيقه، وانتهت إلى إسقاط الدعوى العامة عن المدعى عليهم.

يتبع غداً

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.