عزّ الدين الحدّاد: آخر “جنرالات الأنفاق”
بقلم ابراهيم ريحان
«أساس ميديا»
لم تكُن الرّصاصة الأخيرة ليل الجمعة مُجرّد تصفية حسابٍ مع مطلوبٍ غابَ طويلاً في الظّلّ، بل كانت هَدماً للجدار الأخير في مُجمّع قيادة الرّعيل الأوّل. برحيل عزّ الدّين الحدّاد (أبي صُهيب)، الذي تسلّم دفّة القيادة العامّة لـ”كتائب عزّ الدّين القسّام” في ذروةَ عواصفها خلفاً لمحمّد السّنوار وشقيقه يحيى وقبلهما محمّد الضّيف، يُغلق كتاب وتُفتح دهاليز كتابٍ آخر. لم يعد الأمرُ بتعلّق بموت قائدٍ عسكريّ ميدانيٍّ، بل بإنهاءِ مرحلةٍ كاملةٍ وبدءِ روايةٍ جديدةٍ لحركةٍ تبحثُ عن نواتِها الصّلبة وسطَ الرّماد والمُربّعات المُغلقة تحتَ الأرض.
في مِنطقة الشّرق الأوسطِ ثمّة رجالٌ لا يختارونَ العناوين، بل تُولد العناوينَ من تحتِ رُكامِ بيوتهم. رجالٌ ينامونَ والخرائط المثقوبةَ بالرّصاصِ تحت وسائدهم. يستيقِظونَ على “زَنين” طائرات استطلاعٍ لا تُغادرُ السّماء، تعيدُ رسمَ حدودَ الموتِ والحياةِ كلّ دقيقةٍ. من بينِ هؤلاء الذين التحفوا الغموضَ الطّويلَ، وسكنوا المُربعات الأمنيّة المُغلقة في باطِنِ الأرضِ وظلامِها، برز اسم عزّ الدّين الحدّاد. رجلٌ عاش يُطارد الظّلّ، حتى طارده الموت في ليلِ غزّة الحالك، ليُعلن رسميّاً شطب اسمهِ من قائمة المطلوبينَ ودخولهِ فوراً في قائمةِ الشّهودِ، مُغلقاً وراءه كتابَ حربِ الأنفاق والمُربّعات المُغلقة.
لم يكُن سقوطُ الحدّاد مجرّد خسارةٍ لقائدٍ ميدانيّ آخر في سلسلةِ الاغتيالات الطّويلةِ، بل كان الحدث الأخطرَ الذي يطوي مرحلةً كاملةً. فالرّجل لم يكُن مُجرّد قائدٍ لـ”لواء غزّة” كما شاعَ عنه طويلاً، بل كان قد تولّى في الكواليسِ المُعتمةِ وبعيداً عن الأضواءِ، القيادة العامّة لكتائب القسّام، خلفاً للشقيقيْن “السّنوار” وقبلهما الضّيف، الذينَ غابوا عن المشهد في المعركة الاستراتيجيّة الكُبرى. بات يمكنُ القول إنّ الجدار الأخير من “الرّعيل الأوّل” للمؤسّسين العسكريين في حركة “حماس” قد انهار، لتبدأ روايةٌ جديدة كُليّاً عن حركة تبحثُ عن نواتِها الصّلبة وسطَ الرّماد.
آخر العمالقة في زمن الانقراض العسكريّ
حين يجلُس المرءُ ليكتُبَ عن عزّ الدّين الحدّاد، فإنّه يضعه تلقائيّاً في مصاف ذلكَ الرّعيل الأوّل الذي خطّ بالدّمِ والحديد العقيدة العسكريّة لحركةِ “حماس” وكتائبها العسكريّة.
إنّه ينتمي إلى جيل أحمد الجعبري، ومحمّد الضّيف، وصلاح شحادة، ويحيى عيّاش وغيرهم. أولئك الذينَ لم يتعلّموا الحروبَ في الأكاديميّات العسكريّة في موسكو أو الغرب، بل صهرتهُم التجربةُ في أزقّة المُخيّمات، وحروبِ الشّوارعَ، ومواجهةِ التّرسانةِ التكنولوجيّة الاكثر تطوّراً في العالمِ بادوات بدائيّة صُنِعت في “ورش الخراطة” في القطاع المُحاصر.
تجمع الحدّاد وأحمد الجعبري قواسم مُشتركة كثيرة. فكلاهُما كان يمتلكُ تلكَ النّظرة الصّارمة والقُدرة العالية على الإمساكِ بمفاصل التّنظيم المُعقّدة. والقدرة على “التّرميم الفوريّ” كلّما ظنّ الخصمُ أنّه حقّق خرقاً لا يُصلحُهُ الزّمن. وإذا كان محمّد الضّيف قد مثّل “الرّوح الأسطوريّة” المخفيّة لكتائب القسّام، فإنّ الحدّاد كان يُمثّل “العقل التنفيذيّ الصّلب” الذي يُترجم الأفكار إلى واقعٍ على الأرض. كان آخر حبّات العقد في ذلكَ الجيل التأسيسيّ الذي نقلَ “حماس” من مجموعاتٍ تُطاردُ الدّوريّات الإسرائيليّة في أزقّة المُخيّمات بالحجارةِ والبنادق الخفيقةِ، إلى جيش مُنظّم امتلكَ صواريخ بعيدة المدَى وأنفاقاً عابرةً للمُدنِ وحدودِ القطاع.
من اللواء إلى القيادةِ العامّة: عبءُ التّركةِ الثّقيلة
عندما تَسلّمَ الحدّاد القيادة العامّة خلفاً لمحمّد السّنوار، لم يكن يرث قِيادةً مُستقرّة، بل “كرةَ نارٍ” في ذروةِ حربِ الإبادة والإنسدادِ الكامل. كانَ عليهِ أن يُديرَ شبكةً بالغةَ التعقيد من المُقاتلين المُنهكين والمُستودعات التي تنضَب ومنظومات الأنفاقِ التي تُستهدفُ شبراً بشبرٍ، في بيئة جغرافيّة مكشوفةٌ تماماً من الجوّ، ومُحاصرةً من البرّ والبحرِ.
كانت خطورته بنظرِ الأجهزةِ الأمنيّة الإسرائيليّة تكمُن في كونه “رجل الوصلِ” الأخير. هو الوحيدُ، ربّما، الذي كانَ يمتلكُ مفاتيحَ الشّيفرة التي تربطُ ما تبقّى من خلايا مُشتتةً على أرضِ قطاع غزّة، والوحيدُ القادرُ على فرضِ كلمةِ الفصل وسطَ غيابِ القياداتِ التّاريخيّة. تكمنُ قدرته الاستثنائيّة في أنّه، وكلّما أعلنت تل أبيب عن تقويضِ البنية العسكريّة للحركة، كانَ يخرجُ من وسطِ الأنقاضِ ليُحاول إعادة تجميعِ الشّظايا وتنظيم الصّفوفِ.
كانَ يُجسّد تلكَ العقيدة العسكريّة المُعقّدة التي تقول: “في حروبِ غزّة لا تُقاسُ القوّة بحجمِ الطّائرات والصّواريخ وأنواعها، بل بالقُدرةِ على البقاء تحت الأرضِ يوماً إضافيّاً بعد أن يظُنّ عدوّكَ أنّه أنهى كلّ شيءِ”.
ليل الاغتيال والأسئلة المُقلقة
في تلكَ الليلةِ، أطفأت إسرائيل رسميّاً شاشةَ المُراقبة الخاصّة بـ”أبي صُهيب”. جاءت الضّربة الخاطفة لتُنهي رحلة المُطاردةِ الطّويلةِ التي استمرّت لعقود. بالنّسبةِ لإسرائيل وبنيامين نتنياهو، يُمثّل اغتيال القائد العامّ الجديد للقسّام “صيداً استراتيجيّاً هائلاً” وإعلاناً شبه رسمي لقطع رأس الهرم العسكريّ بالكاملِ وصورة النّصرِ التي يبحثُ عنها نتنياهو في شوارع طهران وغزّة والضّاحية الجنوبيّة لبيروت. أمّا بالنّسبةِ إلى المُقاتلين في الأزقّة المُدمّرّة، فإنّ غياب الحدّاد يُمثّل يُتماً عسكريّاً وخسارةً لآخر المُهندسين الذي يمتلكون الرؤية الشّاملة للمعركة.
حين تسكتُ المدافع قليلاً لتفسحَ المجال للرّثاءِ، تقفزُ إلى الذّهن تلكَ الأسئلةُ المُقلقة والمُحيّرة التي طالما طُرِحَت في مقاربةِ الشّخصيّات الإشكاليّة التي تصنعُ الأحداثَ في هذه المنطقة: ماذا كانَ يدورُ في خلدِ الحدّاد في أسابيعهِ الأخيرة وهو كان قد شاهدَ قيادات الصّفّ الأوّل من رفاقِهِ يتساقطون الواحدَ تلوَ الآخر كأوراقِ الخريفِ، بينما يتوسّع مشهدُ الرّكامِ والحطامِ في غزّةَ فوقَ الأرض؟
كيفَ كانَ يُوازنُ وهو في باطِن النّفق، أو في غرفةٍ في شقّةٍ، بين حسابات الأيديولوجيا الصّارمةِ التي تطلُبُ الشّهادةَ، وبينَ أنين الحاضنةِ الشّعبيّة المُثخنةِ بالجراحِ والنّزوحِ والجوعِ؟
هل كانَ يرى أفقاً لانتصارٍ عسكريّ؟ أم أنّه تَسلّمَ القيادةَ العامّة لمجرّدِ إدارة معركةِ “الرّمق الأخير” وحفظِ ماءِ وجهِ الكلاشنيكوف؟
لم يكُن الحدّاد مُجرّدَ قائدٍ عامّ. فقد كانَ تجسيداً مأساويّاً لمُعضلةِ الشّرق الأوسطِ الكُبرى. مُعضلة الشّعوبِ التي تجِدُ نفسها مُحاصرة بين فكّيّ كمّاشة: آلة عسكريّةً إسرائيليّة لا ترحم، وتوازناتٍ دوليّة – إقليميّة باردةً غالباً ما تُضحّي بالأسماء والقضايا على مذبَحِ مصالحَها الكُبرى وصِراعاتِ نفوذِها.
ابراهيم ريحان
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.