من إلغاء الإعدام في لبنان إلى إدانة إعدام الأسرى الفلسطينيين/2
المحامي أسامة العرب
إن الأسرى الفلسطينيين لا يمثلون حالة جنائية عادية في نظام قضائي طبيعي، بل هم جزء من قضية تحرر وطني، ومن صراع ممتد بين شعب محتل وسلطة احتلال. لذلك فإن إخضاعهم لقانون إعدام تصوغه حكومة يمينية متطرفة، ويدفع باتجاهه سياسيون من أمثال إيتمار بن غفير، زعيم حزب «عوتسما يهوديت»، يكشف بوضوح أن الغاية ليست تحقيق العدالة، بل ترسيخ الردع الدموي، وتكريس منطق الإخضاع، وإرسال رسالة سياسية إلى الفلسطينيين مفادها أن الاحتلال لا يكتفي بالسجن والعزل والتنكيل، بل يريد امتلاك سلطة قانونية معلنة على حياة الأسرى وموتهم.
ومن الناحية القانونية الدولية، فإن هذا التشريع الإسرائيلي يصطدم بجملة من المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. فالفلسطينيون الواقعون تحت الاحتلال يتمتعون بحماية خاصة بموجب قواعد القانون الدولي، ولا يجوز التعامل معهم بمنطق العقاب السياسي أو الانتقام الجماعي. كما أن فرض عقوبة الإعدام في ظل منظومة قضائية تُتهم باستمرار بالتمييز وانعدام التكافؤ وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة، يجعل هذا القانون أقرب إلى تقنين للعنف السياسي منه إلى تطبيق للعدالة.
وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية موجّه إلى المجتمع الدولي، ولا سيما إلى الاتحاد الأوروبي: هل يمكن لأوروبا أن تكتفي مجددًا ببيانات القلق والاستنكار؟ وهل يكفي أن تصدر مواقف لفظية بينما تُسنّ قوانين تمسّ الحق في الحياة وتكرّس التمييز ضد الفلسطينيين؟ إن المادة الثانية من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، الموقعة عام 1995 والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2000، تنص بوضوح على أن العلاقات بين الطرفين تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، وأن هذه المبادئ تشكل عنصرًا أساسيًا في الاتفاقية. وعليه، فإن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار حقيقي: إما أن يتعامل مع حقوق الإنسان كشرط سياسي وقانوني ملزم، أو أن يثبت أن هذه المبادئ قابلة للتعليق عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
إن الخيارات الأوروبية، في هذه اللحظة، ليست تقنية ولا دبلوماسية فقط، بل أخلاقية وسياسية بامتياز. فإما أن يذهب الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة جدية لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وربط العلاقات الاقتصادية والسياسية باحترام القانون الدولي، وإما أن يكتفي ببيانات لا تغيّر شيئًا في الوقائع. أما الأمم المتحدة، فهي بدورها مطالبة بأكثر من الإدانة اللفظية، لأن المسألة تتصل بالحق في الحياة، وبحماية الأسرى، وبمنع تحويل القانون إلى أداة تصفية سياسية.
وفي هذا السياق، تبدو المفارقة صارخة: لبنان، رغم أزماته السياسية والاقتصادية والمؤسساتية العميقة، يتجه نحو أنسنة منظومته العقابية وإلغاء الإعدام، فيما تذهب إسرائيل، التي تقدم نفسها بوصفها «ديمقراطية»، إلى توسيع أدوات القتل ضد شعب واقع تحت الاحتلال. هذه المفارقة ليست تفصيلًا؛ بل إنها تكشف اتجاهين متعاكسين في فهم العدالة: اتجاه يرى في القانون وسيلة لضبط سلطة الدولة وحماية الإنسان، واتجاه آخر يحوّل القانون إلى غطاء للعقاب العنصري والانتقام السياسي.
من هنا، فإن إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان لا ينبغي أن يُقرأ فقط كإصلاح تشريعي داخلي، بل كرسالة سياسية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فلبنان، إذا أتم هذا المسار، سيكون قادرًا على مخاطبة العالم من موقع أكثر اتساقًا مع مبادئ حقوق الإنسان، وسيكون مؤهلًا للانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو البروتوكول الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1989، ويهدف إلى الإلغاء الكامل لعقوبة الإعدام، ويلزم الدول الأطراف بعدم إعدام أي شخص خاضع لولايتها القضائية، واتخاذ التدابير اللازمة لإنهاء هذه العقوبة نهائيًا. ذلك أن الانضمام إلى هذا البروتوكول سيمنح لبنان موقعًا متقدمًا في المنظومة الحقوقية الدولية، وسيعزّز صورته كدولة تسعى، رغم ضعف مؤسساتها، إلى مواءمة قوانينها مع المعايير الدولية. كما أنه سيشكل خطوة ضرورية لإصلاح العدالة الجنائية، وإعادة بناء الثقة بالقضاء، وتأكيد أن الرد على الجريمة لا يكون بإعادة إنتاج منطق القتل، بل بإرساء نظام عقابي عادل، صارم عند الحاجة، لكنه غير انتقامي وغير لاإنساني.
أما في الحالة الإسرائيلية، فإن فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في الصراع. فهو لا ينتهك القانون الدولي فحسب، بل يهدد بتكريس تمييز بنيوي في منظومة العدالة، حيث يتمتع الإسرائيليون، بمن فيهم المتورطون في العنف ضد الفلسطينيين، بهوامش واسعة من الإفلات من العقاب، بينما يُحاكم الفلسطينيون غالبًا في ظروف تفتقر إلى التكافؤ والضمانات الكافية. وهذا الاختلال ليس طارئًا، بل هو جزء من بنية أوسع تجعل العدالة أداة من أدوات السيطرة، لا ضمانة من ضمانات الحق.
ومن الناحية السياسية، فإن هذا القانون لن يؤدي إلى الأمن الذي تزعم إسرائيل أنها تسعى إليه. فالتجارب التاريخية تثبت أن القوانين القائمة على القمع والإذلال لا تُنهي حركات التحرر، بل تزيدها تجذرًا. وكلما اعتقدت سلطة الاحتلال أنها تستطيع كسر إرادة شعب عبر السجون والإعدامات، فإنها في الواقع تعمّق أسباب الانفجار، وتدفع الصراع إلى مستويات أشد تعقيدًا وعنفًا. فالإعدام، في سياق احتلال، لا يكون عقوبة جنائية فحسب، بل يتحول إلى رمز سياسي بالغ الخطورة، وإلى وقود إضافي لذاكرة جماعية مثقلة بالظلم.
وفي المحصلة، نحن أمام لحظة كاشفة في الإقليم: لبنان يتجه، ولو ببطء، نحو إلغاء عقوبة الإعدام وتكريس منطق أنسنة العقوبة، بينما تمضي إسرائيل في اتجاه معاكس، عبر تشريع القتل ضد الأسرى الفلسطينيين. وبين هذين المسارين تتضح الفجوة بين دولة تحاول أن تجعل القانون قيدًا على سلطتها، وسلطة احتلال تسعى إلى جعل القانون امتدادًا لعنفها. وعليه، إن ما يسمى «قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين» ليس قانونًا بالمعنى العميق للكلمة، بل هو نص عقابي عنصري يشرعن الانتقام، ويستهدف شعبًا واقعًا تحت الاحتلال، ويضيف فصلًا جديدًا إلى سجل طويل من الانتهاكات. وسيكون لهذا التشريع، إذا مضى تطبيقه، تداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية، وعلى صورة إسرائيل الدولية، وعلى مستقبل الصراع برمته. فالقوانين التي تُبنى على الظلم لا تصنع أمنًا، والعقوبات التي تُسنّ بروح الانتقام لا تؤسس عدالة، بل ترتد، عاجلًا أو آجلًا، غضبًا سياسيًا وأخلاقيًا في وجه من شرّعها وطبّقها.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.