على هامش النقاش حول مقترح إلغاء عقوبة الإعدام 2/4
بقلم الشيخ مظهر الحموي
عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
مقدمة:
توقفنا في الحلقة الأولى عند بعض الطروحات التي تجعل من المجرم محور الإهتمام، فتبحث له عن الأعذار النفسية والإجتماعية والعائلية، حتى يكاد القاتل يتحول من مسؤول عن جريمته إلى ضحية لظروفه.
ولا شك أن دراسة أسباب الجريمة أمر مهم، بل هي ضرورة لمنع تكرارها، لكن دراسة الأسباب شيء، وإلغاء المسؤولية شيء آخر. فالظروف قد تفسّر بعض السلوك، لكنها لا تبرّره بالضرورة، ولا يجوز أن تتحول كل عقدة نفسية أو صدمة عاطفية أو مشكلة اجتماعية إلى جواز للإفلات من العقاب.
وإذا كان المجتمع مطالبًا بأن يفهم دوافع المجرم، فهو مطالب بالقدر نفسه بأن يفهم مأساة الضحية. فالجريمة لا تنتهي بسقوط القاتل في قبضة العدالة، إذ تبدأ بعدها معاناة أسرة القتيل، وقد تمتد آثارها إلى أجيال.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نرحم القاتل أم لا ؟! بل: كيف نحقق العدالة؟ وكيف نحمي المجتمع؟ وكيف نصون حق الضحية؟
أما القول إن تنفيذ حكم الإعدام يجعلنا مثل القاتل، فهو خلط بين الجريمة والعقوبة، فالقاتل يعتدي على حياة إنسان بغير حق، بينما القضاء ينفذ حكمًا صدر بعد محاكمة قانونية، وبإسم المجتمع، وبعد التثبت من الجريمة.
ولا يستوي العدوان مع العدالة، ولا الجريمة مع العقوبة.
ثم إن القول بأن الإنسان لا يجوز له أن يزهق روحًا لأن الله وحده هو الذي يقبض الأرواح، لا يستقيم مع ما قررته الشريعة الإسلامية من تشريع القصاص، قال سبحانه وتعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
فالقصاص في المنظور الإسلامي ليس دعوة إلى سفك الدماء، وإنما هو تشريع للحد من سفكها، وحماية للناس من أن يصبح القتل أمرًا بلا عاقبة.
ومع ذلك، لم يجعل الإسلام القصاص بابًا مغلقًا لا رحمة فيه، بل فتح باب العفو، وأعطى أهل القتيل حق الاختيار، فقال سبحانه:
﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
وهنا تظهر عظمة التشريع في الموازنة بين الردع والرحمة، وبين حق المجتمع وحق أهل الضحية.
أما الإستناد إلى بعض الدول التي ألغت عقوبة الإعدام، فلا يكفي وحده لإثبات أن الإلغاء هو الخيار الصحيح لكل مجتمع، فالتشريعات لا تُستورد بمعزل عن القيم والثقافة والواقع الإجتماعي، كما أن نجاح نظام عقابي لا يقاس بمجرد إلغاء العقوبة أو الإبقاء عليها، بل بقدرته على تحقيق العدالة وحماية المجتمع.
إننا لا ندعو إلى الإعدام لمجرد الإعدام، ولا نرى أن كل قاتل يستحقه بالضرورة.
بل نقول إن هناك جرائم بالغة الخطورة تستوجب، عند ثبوتها وفق أعلى معايير العدالة، عقوبة تتناسب مع فداحتها.
وفي المقابل، لا بد من إصلاح السجون وتأهيل المسجونين ومعالجة أسباب الجريمة، وتشديد الرقابة على أصحاب السوابق، ومحاربة المخدرات والإنحراف، وتسريع المحاكمات، لأن العدالة البطيئة قد تتحول هي نفسها إلى ظلم…
وهذا ما سنتناوله في هذه الحلقة الثانية:
والتي نعود فيها مجددا الى أدعياء حقوق (المجرم) – عفوا- حقوق الإنسان لنقول لهم:
إن هذا المجتمع الذي يتعرض لموجات الإجرام والقتل والإغتصاب والشذوذ والإنحراف وقطع الطرق وسلب المصارف والإعتداء على الأطفال (هي ليست في قاموس، حبايبنا أدعياء حقوق الإنسان)، أي أولوية في إهتماماتهم ولا يعنيهم شيء من أمر هذا المجتمع المنكوب القلق المذعور، وكل حرصهم السخيف هو على هذا السفاح البريء لضمان حقوقه المهدورة وإبلاغه مأمنه حتى على حساب المجتمع بأكلمه.
هذا بعض ما يروج له – بشكل أو بآخر- دعاة الغاء قانون الإعدام ويسعون الى الإنتصاف للقاتل أو المغتصب دون أن يعيروا بالا الى ما سـببه إغتصابهم أو جريمتهم من إشاعة الذعر والفوضى وإنقلاب المفاهيم في معنى الحرية الشخصية التى لا يرونها الا حقا من حقوق المجرم السفاح المغتصب.
هل نستفيض في إيضاح ما أفرزته نظريتهم السقيمة من ويلات على مجتمعاتهم وأوطانهم، والجميع يعلم ويقرأ ويشاهد إزدياد موجات الإجرام دون أي نتيجة اصلاحية.
لماذا؟
هنا يكمن السؤال الأساسى الذي يضع العلامة الفارقة بين هذين الرأيين والنظريتين.
وهنا يتحقق إعجاز الآية القرآنية ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
وهنا يشمخ الإسلام ودائماً الإسلام شامخ بشريعته وعقيدته وحدوده وحرصه على سعادة البشرية وتقدم المجتمع وصلاحية أحكامه لكل زمان ومكان حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وهنا تتضح الحقيقة الربانية السامية في مغزى القصاص الذي أقرته الشريعة الإسلامية بالصيغة التي عرفها الفقهاء وحكمته وجدواه للفرد والمجتمع والأمة وللمعمورة بأسرها.
فما كان العقاب في شريعتنا تشفيا من مذنب أو حقدا عليه أو شماتة منه.
وليست الحدود عندنا سوى مظهر من مظاهر صيانة الفرد والمجتمع والأمة حتى يستقيم أمر الناس جميعأ في بيئة هانئة لا يطغى فيها أحد ولا يظلم فيها بشر.
وكم يدهش المرء عندما يحاول التفتيش عن مؤلفات تعنى بالجانب الجنائي في الشريعة الإسلامية ليفاجأ بآلاف الموسوعات والمجلدات والدراسات الضخمة والمعمقة في قضايا الجرائم وأنواعها وتفصيلاتها وذرائعها ونتائجها، والحدود الملائمة لكل جرم وحيثياته وحكمته وجدواه ومدى انعكاسه على الفرد والمجتمع.
وليس القصاص في التشريع الإسلامي ردة فعل بدائي متسرع كما يحاول ان يروج أعداء هذا الدين بل انه، وقبل كل شىء علاج لكل من المجرم و إنصاف لذوي الضحية على السواء.،؟
وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة
الشيخ مظهر الحموي
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.