كتاب مفتوح إلى دولة رئيس الحكومة القاضي نواف سلام
المحامي أسامة العرب
الامتحانات الرسمية باتت بين مقتضيات التربية وواجب حماية أجيال لبنان، فيا دولة الرئيس القاضي الدكتور نواف سلام المحترم، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها لبنان، وفي ضوء النقاش الدائر حول مصير الامتحانات الرسمية لهذا العام، وما رافقه من آراء متعددة بين من يدعو إلى إلغائها، ومن يقترح تأجيلها، ومن يطرح اعتماد صيغ تربوية مرنة تراعي الواقع القائم، يبقى القرار النهائي مسؤولية مجلس الوزراء الموقر، بما يمثله من سلطة تنفيذية مؤتمنة على حماية مصالح اللبنانيين وصون مستقبلهم.
دولة الرئيس،
قد لا أكون متخصصًا في الشأن التربوي بمعناه الأكاديمي الدقيق، لكنني مواطن عمل في الحقل العام لأكثر من خمسين عامًا، عايشت خلالها تحولات لبنان وأزماته، وأدرك تمامًا أن التربية لم تكن يومًا ملفًا إداريًا عابرًا، بل كانت ولا تزال أحد أعمدة بناء الدولة وحماية المجتمع. فالتعليم هو الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وأي قرار يتعلق بالطلاب ومستقبلهم لا يمكن أن يُقاس فقط بمنطق الإجراءات والأنظمة، بل يجب أن يُنظر إليه من زاوية المسؤولية الوطنية والإنسانية.
لقد أصبح واضحًا أن القطاع التربوي يعيش اليوم واحدة من أصعب مراحله، حيث تتداخل الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية لتفرض واقعًا جديدًا على الطلاب وأهاليهم والمدارس والمعلمين على حد سواء. فالتحديات لم تعد مرتبطة فقط بقدرة الطالب على التحصيل والاستعداد للامتحان، بل باتت تتعلق بظروف الوصول إلى مراكز الامتحانات وسلامة التنقل، والاستقرار النفسي، وتأمين بيئة مناسبة تسمح للطلاب بخوض هذه المرحلة المصيرية بحد أدنى من العدالة والطمأنينة.
وفي هذا السياق، فإن المعطيات التي كانت تشير سابقًا إلى أن نسبة المتضررين من الظروف الراهنة قد لا تتجاوز 30 في المئة، عادت لتُطرح أمامها تقديرات جديدة تفيد بإمكانية ارتفاع هذه النسبة إلى حدود 40 في المئة، ما يعني أن شريحة واسعة من الطلاب قد تجد نفسها أمام امتحان لا يقيس قدراتها العلمية الحقيقية، بل يقيس قدرتها على مواجهة ظروف قاسية لا علاقة لها بمستواها الأكاديمي.
إن ما شهدته الأيام الماضية من حوادث مؤلمة، وكان آخرها الحادث الأليم في بلدة القليعية، يشكل جرس إنذار لا يمكن تجاهله؛ فحين يصبح انتقال الطالب إلى مركز الامتحان محفوفًا بالمخاطر، تصبح الأولوية الأولى هي حماية حياته وسلامته. ولا يجوز بأي شكل من الأشكال أن تتحول الشهادة الرسمية، مهما كانت أهميتها، إلى سبب لتعريض أبنائنا لأي خطر محتمل.
دولة الرئيس، لا أحد ينكر أهمية الامتحانات الرسمية باعتبارها محطة وطنية لتقييم مستوى الطلاب والحفاظ على معايير الشهادة اللبنانية. فهي ليست مجرد اختبار عابر، بل جزء من هوية النظام التربوي وثقة المجتمع بمخرجاته. إلا أن قيمة أي نظام تربوي تُقاس أولًا بقدرته على حماية الإنسان الذي يخدمه، لأن التعليم في جوهره رسالة لبناء الأجيال لا تعريضها للمخاطر.
ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض البحث عن حلول استثنائية تتناسب مع الظروف الاستثنائية، بعيدًا عن الجمود الإداري أو التمسك الحرفي بإجراءات وُضعت في ظروف مختلفة تمامًا عن الواقع الحالي.
وبناءً عليه، نضع أمام دولتكم عددًا من الخيارات التي يمكن أن تشكل مخرجًا يحفظ حق الطلاب ويصون سلامتهم:
أولًا: إلغاء الامتحانات الرسمية لهذا العام، واعتماد نتائج التقييم المستمر خلال العام الدراسي وفق معايير واضحة وموحدة تضمن العدالة بين الطلاب، مع وضع آلية شفافة تمنع أي تفاوت أو استنسابية.
ثانيًا: اعتماد امتحانات دخول إلى الجامعات كبديل مرحلي عن الشهادة الثانوية الرسمية، بحيث تُنظم لاحقًا ضمن مراكز محدودة وآمنة، وبطريقة تسمح بضبط الظروف وتأمين المساواة بين الطلاب.
ثالثًا: في حال تعذر الإلغاء الكامل، دراسة اعتماد نظام امتحانات إلكترونية أو صيغ تقييم بديلة بإشراف المدارس نفسها والجهات التربوية المختصة، بما يخفف من مخاطر التنقل ويأخذ في الاعتبار واقع الطلاب المختلف.
رابعاً: منح إفادات نجاح.
دولة الرئيس، إن المطالبة بإعادة النظر في الامتحانات الرسمية ليست دعوة إلى التهاون في مستوى التعليم أو إلى ضرب هيبة الشهادة اللبنانية، بل هي دعوة إلى اعتماد مقاربة واقعية ومسؤولة تحمي جوهر العملية التربوية. فالعدالة التربوية لا تعني فقط أن يخضع الجميع للامتحان نفسه، بل أن يخضعوا له في ظروف متقاربة تسمح لهم بإظهار قدراتهم الحقيقية.
ويا دولة الرئيس، إن الضغط النفسي الذي يعيشه الطالب اللبناني اليوم لا يقل خطورة عن التحديات اللوجستية، فهو يخوض امتحانه الرسمي وسط انقطاع الكهرباء، وغياب الاستقرار الأمني، وقلق الأسرة على تأمين أبسط مقومات الحياة اليومية. ولا يمكن لأي معيار تربوي أن يتجاهل أن الطالب الذي يدخل قاعة الامتحان مرهق الجسد والذهن، لا يقاس تحصيله العلمي بقدر ما تقاس قدرته على الصمود أمام واقع لم يخترعه.
ولا يفوتنا في هذا السياق أن ننوّه بالدور الذي يقوم به المعلمون والإداريون في المدارس، الذين يتحملون اليوم عبئًا مضاعفًا في محاولة تعويض النواقص وتأمين الحد الأدنى من الاستمرارية التربوية، رغم الظروف الصعبة التي يعيشونها هم أيضًا كمواطنين لبنانيين. فلا يجوز أن يُترك هؤلاء وحدهم في مواجهة أزمة وطنية بهذا الحجم، بل يجب أن تكون القرارات الصادرة عن الحكومة سندًا لهم لا عبئًا إضافيًا عليهم.
كما تجدر الإشارة إلى أن دولًا عديدة مرت بظروف استثنائية مشابهة، حربًا أو جائحة أو كارثة طبيعية، وقد لجأت حكوماتها إلى حلول مرنة، من تأجيل الامتحانات أو اعتماد التقييم المستمر أو حتى إلغاء الشهادة الرسمية لعام كامل، دون أن يُسجَّل ذلك انتقاصًا من مصداقية نظامها التربوي، بل اعتُبر تعاملًا مسؤولًا مع واقع استثنائي يتطلب قرارات استثنائية.
ونحن إذ نرفع هذا النداء إلى دولتكم، لا ننطلق من موقع المعارضة أو المزايدة، بل من موقع الحريص على نجاح أي قرار تتخذه حكومتكم، وعلى ثقتنا بأن القرار الصائب هو الذي يضع الإنسان لا النص الإداري، في صلب المعادلة.
وقد أُعلن أن وزيرة التربية ستدرس مختلف الأفكار والمقترحات والملاحظات التي طُرحت، تمهيدًا لصياغة توصيات تُرفع إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب. وهذا يعني أن المسؤولية التاريخية باتت اليوم أمام حكومتكم لاتخاذ القرار الذي يوازن بين الحفاظ على المعايير التربوية وبين حماية الطلاب الذين يشكلون مستقبل لبنان.
وإننا على ثقة بأنكم، بما عرف عنكم من حرص على دولة القانون والمؤسسات، ستنظرون إلى هذا الملف ليس فقط من زاوية إدارية، بل من منظور وطني وأخلاقي. ونأمل أن يكون القرار الذي سيصدر عن مجلس الوزراء مبنيًا على دراسة دقيقة للواقع، وعلى تقدير واضح لحجم المخاطر، وأن يُصار إلى إعلان المعايير التي استند إليها القرار بكل شفافية، لأن وضوح المسؤولية في هذه المرحلة يشكل جزءًا أساسيًا من الثقة التي يحتاجها اللبنانيون.
وفي الختام، إن الأوطان لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، بل أيضًا بطريقة تعاملها مع أضعف حلقاتها، وأطفال لبنان وطلابها هم أمانة في أعناق المسؤولين، وحمايتهم يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.