لبنان على خط النار المعيشي… أين مديرية حماية المستهلك ووزارتا الاقتصاد والسياحة؟
بقلم دافيد عيسى
لم يعد الغلاء في لبنان مجرد نتيجة طبيعية للأزمة الاقتصادية الخانقة، بل تحوّل إلى أزمة قائمة بذاتها تكشف يومًا بعد يوم حجم التراجع في فعالية الرقابة الرسمية، وتراجع قدرة الدولة على أداء دورها الأساسي في حماية المستهلك، حتى بات الواقع المعيشي يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.
فقد انفصلت أسعار السلع والخدمات، إلى حدّ كبير، عن مستوى المداخيل والقدرة الشرائية للمواطنين، وأصبح تأمين الاحتياجات الأساسية تحديًا يوميًا لغالبية اللبنانيين، بعدما تجاوز ارتفاع الأسعار حدود الأزمة المؤقتة ليصبح واقعًا دائمًا يهدد قدرة الناس على تأمين حياة كريمة.
ولم تعد تداعيات هذا الواقع تقتصر على الفئات الأكثر فقرًا، بل امتدت لتطال الطبقة المتوسطة وأصحاب الرواتب الثابتة، وصولًا إلى شرائح كانت تُعدّ، حتى وقت قريب، قادرة على الحفاظ على مستوى معيشي مقبول.
حتى اللبنانيون العاملون في الخارج باتوا يلمسون، عند زيارتهم وطنهم، حجم الفارق الكبير بين الأسعار في لبنان وتلك المعتمدة في الدول التي يقيمون فيها، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة التسعير وآليات الرقابة في الأسواق اللبنانية.
ولا تكمن المشكلة في ارتفاع الأسعار فحسب، بل أيضًا في غياب التوازن بين كلفة الخدمات المقدّمة ومستوى جودتها، وهو واقع يظهر بوضوح في القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
ففي قطاع الكهرباء، لا يكتفي المواطن بدفع فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان، بل يجد نفسه مضطرًا إلى تحمّل كلفة الاشتراك بالمولدات الخاصة نتيجة استمرار التقنين وعدم تأمين التغذية الكهربائية بشكل مستقر.
أما في قطاع المياه، فيدفع المواطن الرسوم الرسمية للمؤسسات المعنية، ثم يضطر إلى شراء المياه من الصهاريج لتأمين حاجاته اليومية، إضافة إلى شراء المياه المعبأة للشرب، بسبب المخاوف المتزايدة من تلوث بعض مصادر المياه واختلاطها بمياه الصرف الصحي.
أما القطاع الغذائي، فقد تحوّل إلى أحد أبرز وجوه الأزمة المعيشية التي تثقل كاهل اللبنانيين، ليس فقط بسبب الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية، بل أيضًا بسبب المخاطر المرتبطة بسلامة الغذاء.
فإلى جانب تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة السلة الغذائية، تشير تقارير رسمية وبيئية إلى وجود مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي تُروى بمياه ملوثة أو بمياه صرف صحي غير معالجة، ما يجعل المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة من جيبه، ومرة من صحته.
ولا تعكس معاناة المواطنين هذا الواقع وحدها، بل تؤكده أيضًا المؤشرات والأرقام التي تعكس حجم الضغط المتزايد على الأسر اللبنانية.
وفي هذا الإطار، أشار أحد المواقع الإخبارية الأسبوع الماضي إلى أن أسعار 140 سلعة وخدمة أساسية لا غنى عنها في أي منزل لبناني ارتفعت بأكثر من 19% خلال النصف الأول من عام 2026.
ويؤكد هذا الارتفاع أن الأزمة المعيشية لا تزال تتفاقم بوتيرة مقلقة، كما يطرح تساؤلات جدية حول مدى فاعلية الجهات الرقابية، ودور مديرية حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة في متابعة الأسواق، وضبط المخالفات، والحد من الفوضى السعرية.
وهنا لا تكمن المشكلة في غياب القوانين، إذ إن قانون حماية المستهلك اللبناني منح وزارة الاقتصاد والتجارة، عبر مديرية حماية المستهلك، صلاحيات واضحة لمراقبة الأسواق، والتحقق من صحة الأسعار، وضبط المخالفات، وإحالة المرتكبين إلى القضاء عند ثبوت التجاوزات.
كما أن مديرية حماية المستهلك ليست مجرد جهاز إداري أو اسم وارد في هيكلية الدولة، بل هي مسؤولية قانونية وأخلاقية يفترض أن تؤدي دورًا أساسيًا في حماية المواطن وصون حقوقه.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الفجوة بين النصوص والتطبيق، حيث أدى ضعف الرقابة الميدانية وتراجع المحاسبة إلى إفراغ هذه الصلاحيات من مضمونها العملي، وترك المستهلك في مواجهة مباشرة مع الأسواق من دون الحماية الكافية التي يكفلها له القانون.
ولكي نكون منصفين، لا بد من الإقرار بأن الانهيار المالي، والانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية، واحتجاز أموال المودعين، والاعتماد الكبير على الاستيراد، كلها عوامل ساهمت في تعميق الأزمة وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
لكن هذه الظروف، مهما بلغت قسوتها، لا يمكن أن تتحول إلى ذريعة لغياب الرقابة أو التراجع عن تطبيق القوانين، لأن حماية المواطن تصبح أكثر إلحاحًا في أوقات الأزمات لا أقل.
وإذا كانت حماية المستهلك تبدأ بضمان الحقوق الأساسية للمواطن، فإن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تمتد أيضًا إلى القطاعات التي تمس حياة الناس وصورة لبنان السياحية في الخارج، وفي مقدمتها القطاع السياحي، الذي يشكل أحد أبرز أعمدة الاقتصاد الوطني ومصدرًا أساسيًا لجذب العملة الصعبة.
أما القطاع السياحي، الذي يقع ضمن مسؤولية وزارة السياحة، فلا يجوز اختزال دور الوزارة في الترويج للبنان كوجهة سياحية فقط، كما ان مسؤولية الوزارة لا تقتصر على التسويق السياحي، بل تشمل أيضًا الإشراف الفعلي على المؤسسات السياحية، والتأكد من التزامها بالقوانين والأنظمة النافذة، وتعزيز الرقابة الميدانية بالتنسيق مع الشرطة السياحية والأجهزة المختصة، بما يضمن احترام حقوق الزبائن، وحماية سمعة القطاع، ومنع أي ممارسات تسيء إلى صورة لبنان السياحية.
ولا ترتبط الإشكاليات في هذا القطاع بارتفاع الأسعار فقط، بل تشمل أيضًا شكاوى متزايدة تتعلق بغياب الشفافية في بعض المؤسسات السياحية، ولا سيما في ما يخص الفواتير، وطريقة احتساب الأسعار، ومدى وضوح الخدمات المقدمة مقابل المبالغ المطلوبة.
وقد أظهرت حالات متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي استياء عدد من الزوار، ومن بينهم غير لبنانيين، من ممارسات اعتبرها أصحابها غير شفافة أو مبالغًا فيها، ورأوا أنها لا تنسجم مع حقوق المستهلك ولا مع الصورة التي يُفترض أن يقدمها لبنان لزواره.
ومن أكثر الظواهر التي تثير الاستياء في القطاع السياحي ما يتعلق بخدمة صف السيارات (Valet Parking)، حيث باتت بعض الأرصفة والمواقف العامة في عدد من المناطق تُعامل وكأنها امتياز خاص لبعض المؤسسات، فيُطلب من الزبائن دفع مبالغ قد تصل إلى 10 أو 20 دولارًا مقابل خدمة تُفرض أحيانًا من دون تسعيرة واضحة أو رقابة فعلية على آلية احتسابها.
إن استمرار هذه الممارسات لا يحمّل المواطنين والزوار أعباء إضافية فحسب، بل يسيء أيضًا إلى صورة لبنان السياحية، ويقوّض الثقة التي تشكل الأساس لأي قطاع سياحي ناجح ومستدام.
فالسياحة لا تقوم فقط على جمال الطبيعة، وغنى التاريخ، والتنوع الثقافي الذي يتميز به لبنان، بل تقوم أيضًا على حسن المعاملة، والشفافية، والعدالة في التعامل مع السياح والمغتربين والمقيمين على حد سواء، بعيدًا عن أي استغلال أو ممارسات قصيرة النظر قد تضر بمصلحة القطاع على المدى الطويل.
ومن هنا، تصبح الرقابة الجدية على المؤسسات السياحية ليست إجراءً ثانويًا، بل مسؤولية وطنية تهدف إلى حماية سمعة لبنان قبل حماية أي مصلحة فردية أو ظرفية.
فالدولة ليست مطالبة بالتدخل في تحديد أسعار كل سلعة أو خدمة، لكنها مطالبة بفرض قواعد المنافسة العادلة، ومنع الاحتكار والاستغلال، والتأكد من احترام القوانين والأنظمة التي تحمي المواطن والزائر على حد سواء.
ويبقى القضاء ركيزة أساسية في هذه المواجهة، إذ لا تكفي الرقابة وحدها إذا لم تترافق مع محاسبة فعلية ورادعة للمخالفين، لأن غياب العقاب لا يؤدي إلا إلى تشجيع البعض على الاستمرار في تجاوز القوانين.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن اللبناني لم يعد يبحث عن سجالات سياسية عقيمة “لا تسمن ولا تغني من جوع”، بل عن دولة فعلية تحميه، وتصون حقوقه، وتؤمن له الحد الأدنى من العدالة والكرامة في حياته اليومية.
وفي الختام، يبقى لبنان، رغم كل الأزمات، من أجمل بلدان العالم بما يملكه من طبيعة خلابة، وموقع مميز، ومقومات سياحية وثقافية فريدة تجمع بين البحر والجبل والتنوع الحضاري.
لكن من المؤلم أن تصبح دول مثل قبرص وتركيا واليونان، إضافة إلى البرتغال وإيطاليا وإسبانيا، وهي بلدان تشترك مع لبنان في العديد من المقومات المناخية والسياحية، أقل كلفة منه في مجالات الغذاء والمطاعم والمقاهي والفنادق والإقامة.
وهذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لبلد يمتلك كل هذه المقومات الطبيعية والسياحية أن يفقد قدرته التنافسية بسبب الغلاء المفرط، وبعض الممارسات التجارية غير المسؤولة، وغياب الرقابة الفعلية؟
إن مسؤولية هذا الواقع لا تقع على الدولة وحدها، رغم مسؤوليتها الأساسية في فرض القانون، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والتجار ومقدمي الخدمات، الذين يفترض أن يدركوا أن الموسم السياحي ليس فرصة لتحقيق أرباح سريعة على حساب الزائر، بل مناسبة لبناء الثقة وتعزيز صورة لبنان وتشجيع السياح والمغتربين على العودة إليه.
فنجاح القطاع السياحي لا يقاس فقط بعدد الزوار الذين يدخلون البلاد، بل بمدى رضاهم وثقتهم ورغبتهم في العودة مجددًا، لأن السياحة الحقيقية تقوم على السمعة قبل الربح، وعلى الثقة قبل المردود.
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.