ماذا تريد “إسرائيل” من قطر؟

11

بقلم سحر ناصر
صعّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه مؤخرًا بوصف قطر بأنها «دولة معادية»، فيما ذهب رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الذي يسعى للعودة إلى السلطة أبعد من ذلك، داعيًا إلى التعامل معها كعدو وإطلاق حملة ضغط دبلوماسية واقتصادية وإعلامية ضدها. فماذا تريد إسرائيل من قطر؟
الإجابة الأكثر سهولة هي حماس. لكنها، على أهميتها، لا تفسّر المشهد كاملًا. فالعلاقة بين قطر وحماس ليست جديدة أو سرّية، لكن يبدو أنّ ما تريده إسرائيل اليوم هو انتقال قطر تدريجيًا من دور الوسيط إلى دور الضغط من خلال تحويل قنوات التواصل في الدوحة إلى مجرد وسيلة لإيصال المطالب الإسرائيلية إلى الحركة، وتكريس معادلة سياسية محددة، وإخراج الدوحة من دورها كوسيط يسعى إلى ضمان الالتزامات المتبادلة.
فقد رحبت الدوحة، في أغسطس الماضي، بقبول حماس خريطة الطريق الخاصة باستكمال المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وأكدت أن المطلوب الآن هو التزام إسرائيل بتعهداتها في الاتفاق. وهنا تظهر معضلة إسرائيل مع قطر: تريد منها أن تمتلك القدرة على التأثير في حماس، لكنها تريد، في الوقت نفسه، أن تُحدد لها كيف تستخدم هذا التأثير.
لا يمكن قراءة الحملة الإسرائيلية تجاه قطر أيضاً بمعزل عن التحرك الدبلوماسي القطري تجاه طهران مؤخرًا، حيث تناولت المباحثات جهود خفض التصعيد وتهيئة الظروف للحوار. فالدوحة لا تحتفظ بقناة تواصل مع حماس فحسب، وإنما تستطيع، في الوقت نفسه، التواصل مع طهران وواشنطن وبكين، وتتحرّك بين ملفات متشابكة تمتد من غزة إلى إيران ومضيق هرمز وأمن الطاقة. ويكشف موقع قطر في المعادلة الإقليمية، وقدرتها في الوصول إلى أطراف متعارضة من دون أن تدور في فلك أي منها.
عنصر آخر في التأثير القطري يُزعج إسرائيل، وهو الإعلام والقدرة على إعادة تشكيل السردية الإقليمية والدولية. ففي أبريل الماضي، نشرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، الأمريكية، تقريرًا عن عمليات النفوذ الإعلامية القطرية، وخصصت مساحة واسعة للحديث عن البيئة الإعلامية والرقمية المرتبطة بقطر، بوصفها عنصرًا من عناصر القوة الاستراتيجية للدولة، التي أسقطت السردية الإسرائيلية.
كذلك، تطرح بعض الأوساط الرغبة الإسرائيلية في دفع قطر نحو الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية. فإسرائيل تسعى منذ سنوات إلى بناء شرق أوسط تصبح فيه العلاقات العربية-الإسرائيلية الطبيعية جزءًا من النظام الإقليمي، لكن الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في سبتمبر 2025 أظهر حدود هذه المعادلة، وجعل توسيع مسار التطبيع أكثر صعوبة في الخليج.
ثمة عامل آخر لا ينبغي تجاهله، وهو الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. فالحديث عن قطر بين القوى السياسية المتنافسة في إسرائيل، يسمح بإعادة فتح ملف غزة قبل السابع من أكتوبر، وتبادل المسؤوليات عن السياسات الإسرائيلية السابقة. والمفارقة هنا أن نتنياهو تحدّث عن السماح بدخول الأموال القطرية إلى غزة قبل هجمات السابع من أكتوبر، مؤكدًا أن الأموال كانت مخصصة لأغراض إنسانية، وأن تحويلها تم بتوصيات من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
في مواجهة هذه الحملة، تنأى قطر عن الدخول في مواجهات سياسية أو إعلامية مباشرة، وتتمسك بلغة الوساطة والقانون الدولي وأمن المنطقة، والدعوات إلى خفض التصعيد. وهي ليست مطالبة، كوسيط، بالاختيار بين الحديث مع واشنطن أو طهران، أو بين التواصل مع الفلسطينيين والمحافظة على قنوات الوساطة مع إسرائيل؛ فقدرتها على عبور هذه الخطوط هي مصدر قوتها في الأصل. ولهذا، فإن أفضل استجابة تتمثل في الحفاظ على قوتها الشبكية وتعزيزها.
ولا شكّ أنّ الحملة الإسرائيلية اليوم تُشير إلى أنّ تأثير قطر بات أكبر من أن يُتجاهل، وأنه أصبح أكثر استقلالًا من أن يُضبط بسهولة من قبل أي مشروع. والمسألة تتعلق بموقع قطر في ميزان القوة الجديد في الشرق الأوسط، وبكيفية استخدام قطر لشبكة علاقاتها ووساطاتها وأدواتها الإعلامية، وأيّ قطر تريدها إسرائيل في الشرق الأوسط الجديد؟
لكن الأزمات السياسية التي واجهتها قطر في السنوات الأخيرة تكشف عن توجّه استراتيجي ثابت وهو: التمسّك بمصادر قوتها وأدوات نفوذها، حتى عندما تتحول هذه الأدوات نفسها إلى موضع استهداف لمشاريع الهيمنة والنفوذ في المنطقة.
سحر ناصر

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.