مدى جديّة طرح الثقة بالحكومة / 2
المحامي أسامة العرب
من الناحية القانونية، لا جدال في إمكان طرح الثقة بالحكومة وفق الأصول الدستورية والنظام الداخلي لمجلس النواب، الذي يتضمن أحكاماً تجيز للنائب طرح الثقة بعد انتهاء المناقشة في الاستجوابات أو في المناقشة العامة، دون التقيّد بالشرط المنصوص عليه في المادة 37 من الدستور. أما من الناحية السياسية، فإن جدية الطرح لا تقاس بمجرد الإعلان عنه، وإنما بمدى وجود أكثرية نيابية مستعدة لتحمل نتائجه.
وبالنظر إلى طبيعة التركيبة السياسية اللبنانية، فإن احتمال أن يؤدي طرح الثقة إلى سقوط الحكومة يبقى محدوداً ما لم يحدث تحول جوهري في مواقف الكتل النيابية التي تشكل قاعدة الدعم السياسي لها. لكن محدودية احتمال السقوط لا تعني أن طرح الثقة عديم الجدوى. فالمساءلة البرلمانية قد تحقق أهدافاً مهمة حتى من دون إسقاط الحكومة. إذ يمكن للمناقشة أن تكشف مواطن الخلل، وتدفع الحكومة إلى توضيح سياساتها، أو تعديل بعض قراراتها، أو فتح تحقيق برلماني في ملف معين.
ومن هنا، فإن نجاح الرقابة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الحكومات التي أسقطها البرلمان، بل أيضاً بقدرة المجلس على إلزام السلطة التنفيذية بتقديم إجابات واضحة وتحمل المسؤولية السياسية أمام الرأي العام. فلقد أظهرت التجربة اللبنانية أن مجلس النواب لم يستخدم تاريخياً حجب الثقة كوسيلة أدت فعلياً إلى إسقاط حكومة. وهذه الحقيقة تستحق قراءة سياسية ودستورية عميقة. والمشكلة ليست في قصور النص الدستوري، بل في طبيعة النظام السياسي نفسه، حيث يؤدي منطق التوافق إلى إدخال معظم القوى في السلطة، فيما تصبح المعارضة داخل المجلس محدودة أو غير مستقرة.
وقد يكون هذا النموذج مفهوماً في بلد يقوم نظامه السياسي على الشراكة والتوازنات الطائفية، لكنه يحمل في المقابل كلفة واضحة على مستوى المساءلة؛ إذ إن الحكومة التي تضم معظم القوى تصبح أقل عرضة لخطر فقدان ثقة البرلمان.
ولهذا فإن الإصلاح المطلوب لا يتمثل بالضرورة في تعديل النصوص المتعلقة بطرح الثقة، وإنما في تطوير الثقافة البرلمانية وتعزيز استقلالية النائب في ممارسة دوره الرقابي، وتفعيل لجان التحقيق، وجعل المساءلة قائمة على الأداء والمصلحة العامة لا على الاصطفاف السياسي.
في الختام، إن جلسة 15 و16 أيلول قد تشهد طرح الثقة بالحكومة، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسجيل هذا الإجراء دستورياً، بل في معرفة ما إذا كان سيترجم إلى محاسبة سياسية فعلية. فإذا توافرت أكثرية نيابية لحجب الثقة، تكون البلاد أمام استحقاق حكومي جديد. أما إذا لم تتوافر، فمن المرجح أن يتحول الطرح إلى مناسبة لتجديد الثقة بالحكومة، وهو الاحتمال الأكثر انسجاماً مع طبيعة التوازنات السياسية القائمة.
غير أن تجديد الثقة لا ينبغي أن يُفهم على أنه إعفاء من المساءلة. فالثقة البرلمانية ليست تفويضاً مطلقاً، ولا تعني أن الحكومة أصبحت بمنأى عن الرقابة حتى نهاية ولايتها. إنما هي ثقة مشروطة باستمرار احترام الدستور، وحسن إدارة المرفق العام، والاستعداد الدائم للمثول أمام مجلس النواب وتقديم الحساب السياسي عن القرارات والنتائج.
وفي النهاية، لا تُقاس قوة النظام البرلماني بعدد الحكومات التي تسقط، بل بمدى قدرة البرلمان على جعل الحكومة تشعر بأن كل قرار تتخذه يقع تحت عين الرقابة، وأن كل سياسة عامة قابلة للنقاش والمساءلة.
ولعلّ لبنان يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ترسيخ هذا المعنى البسيط والعميق في آن: الحكومة تحكم، والبرلمان يراقب، والشعب يحاسب. فإذا استقام هذا التوازن، يصبح طرح الثقة أداة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد محطة سياسية عابرة؛ وتصبح الرقابة البرلمانية وظيفة دستورية حيّة، لا نصاً جميلاً في كتاب الدستور.
المحامي أسامة العرب
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.