مشروع قانون الإعلام: نحو تعزيز الحرية المسؤولة

20

بقلم د. ابراهيم العرب
يمثل مشروع قانون الإعلام الجديد في لبنان محطة تشريعية مفصلية في مسار تطوير النظام الإعلامي الوطني، ونقلة نوعية طال انتظارها لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والإعلام على أساس احترام الحريات العامة، وتعزيز المسؤولية المهنية، ومواكبة التحولات الكبرى التي فرضها العصر الرقمي. فهذا المشروع، الذي وصل إلى مراحل متقدمة من المسار التشريعي بعد سنوات طويلة من النقاش والعمل الإصلاحي امتدت لما يقارب خمسة عشر عاماً، يشكّل محاولة جادة للانتقال من منظومة قانونية تقليدية لم تعد تنسجم مع واقع الإعلام الحديث، إلى إطار قانوني أكثر تطوراً ينسجم مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
وقد حظي إعداد هذا المشروع بدعم تقني وخبرات متخصصة من منظمة اليونسكو، بما يعكس أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في بناء تشريع إعلامي حديث يوازن بين صون الحرية من جهة، وضمان المسؤولية من جهة أخرى. فالإعلام في الدول الديمقراطية لا يُقاس فقط بمدى اتساع هامش الحرية المتاح له، بل أيضاً بقدرته على ممارسة هذه الحرية ضمن قواعد مهنية وقانونية تحمي المجتمع من التضليل والتحريض وانتهاك الحقوق.
ومن منظور قانوني وأكاديمي، فإن أهمية مشروع القانون لا تكمن فقط في تعديل بعض النصوص الإجرائية أو العقابية، بل في الفلسفة التشريعية الجديدة التي يقوم عليها، والتي تنقل الإعلام من مفهوم “الضبط والردع” إلى مفهوم “التنظيم والحماية”. فوظيفة القانون الإعلامي الحديث ليست تقييد الصحافة، وإنما توفير البيئة القانونية التي تسمح لها بالعمل باستقلالية، وتحمي الصحافيين أثناء ممارسة دورهم الرقابي في خدمة المصلحة العامة.
ومن أبرز الإصلاحات الجوهرية التي يتضمنها المشروع:
أولاً: إلغاء تجريم العمل الإعلامي وإنهاء عقوبة الحبس في قضايا النشر
يشكل إلغاء تجريم وحبس وتوقيف الإعلاميين احتياطياً في القضايا المرتبطة بالنشر أحد أهم التحولات التي يحملها المشروع. فمن المبادئ المستقرة في الفقه الحقوقي الحديث أن الخطأ الصحافي أو الخلاف حول مضمون منشور لا يجب أن يؤدي إلى عقوبات سالبة للحرية، لأن السجن في قضايا الرأي والتعبير يشكل تهديداً مباشراً لحرية الصحافة ويؤدي إلى تكريس الرقابة الذاتية.
وإن اعتماد العقوبات المدنية، ولا سيما الغرامات والتعويضات عند ثبوت الضرر، ينسجم مع الاتجاه العالمي الذي يميز بين المسؤولية القانونية للإعلامي وبين تجريم ممارسته المهنية. فالصحافي يجب أن يبقى خاضعاً للمساءلة، لكن ضمن إطار يحترم طبيعة العمل الإعلامي ودوره في مراقبة الأداء العام وكشف مكامن الخلل.
كما أن منع التوقيف الاحتياطي في قضايا النشر يكرس مبدأ مهماً من مبادئ العدالة، وهو أن حرية الإنسان لا يجوز أن تكون رهينة إجراء احترازي قبل صدور حكم قضائي نهائي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الرأي أو ممارسة وظيفة إعلامية.
ثانياً: الانتقال من محكمة المطبوعات إلى قضاء مدني متخصص
يأتي إلغاء محكمة المطبوعات واستحداث محكمة مدنية متخصصة للنظر في النزاعات الإعلامية ضمن رؤية تهدف إلى تعزيز استقلال القضاء وضمان المحاكمة العادلة. فالقضايا الإعلامية تتميز بخصوصية قانونية ومهنية تتطلب فهماً عميقاً لطبيعة العمل الصحافي، وحدود النقد المشروع، والتوازن بين حرية التعبير وحماية الحقوق الشخصية.
إن وجود قضاء مدني متخصص لا يعني إعفاء الإعلام من المسؤولية، بل على العكس، يؤسس لمسؤولية أكثر دقة وعدالة، حيث يتم تقييم الأفعال الإعلامية وفق معايير مهنية وقانونية واضحة، بعيداً عن منطق العقوبات الجزائية التي قد تؤثر على حرية الصحافة.
كما أن هذا التوجه يعكس تطوراً في النظرة إلى الإعلام باعتباره سلطة رقابية في المجتمع الديمقراطي، وليس مجرد نشاط تجاري أو مهنة عادية، الأمر الذي يستوجب توفير ضمانات قانونية خاصة للعاملين فيه.
ثالثاً: تنظيم الإعلام الرقمي ومواكبة التحول التكنولوجي
من أبرز نقاط القوة في المشروع توسيع نطاقه ليشمل الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية والمواقع الإخبارية، إذ لم يعد من الممكن التعامل مع الإعلام وفق مفهوم الصحيفة الورقية أو المؤسسة التقليدية فقط.
لقد أدى الانتشار الواسع للمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي إلى تغيير جذري في طبيعة إنتاج الأخبار وتداول المعلومات. وأصبح صاحب الموقع الالكتروني شريكاً في صناعة المحتوى الإعلامي، بعدما كانت عملية نقل الخبر حكراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية.
لكن هذا التطور فرض تحديات جديدة، أبرزها انتشار الأخبار المضللة وخطاب الكراهية، والتلاعب بالمعلومات، ما يجعل الحاجة إلى تنظيم قانوني حديث أمراً ضرورياً. إلا أن التنظيم لا يجب أن يتحوّل إلى رقابة على الفضاء الرقمي، بل يجب أن يهدف إلى تعزيز المسؤولية المهنية وحماية المستخدمين، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات.
رابعاً: إنشاء هيئة وطنية مستقلة ناظمة للإعلام
إن إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام يمثّل تحوّلاً مؤسسياً مهماً في إدارة القطاع الإعلامي. فوجود جهة تنظيمية مستقلة تضم خبراء ومختصين قانونيين وممثلين عن القطاع الإعلامي يمكن أن يشكل ضمانة لتطبيق معايير مهنية واضحة بعيداً عن التدخلات السياسية أو الأمنية.
وتكمن أهمية هذه الهيئة في أنها تنقل تنظيم الإعلام من منطق القرارات الإدارية المتغيرة إلى منطق المؤسسات المستقلة القائمة على قواعد الشفافية والمساءلة. كما يمكن أن تؤدي دوراً أساسياً في حماية التعددية الإعلامية، ودعم جودة المحتوى، وتعزيز أخلاقيات المهنة.
غير أن نجاح أي هيئة ناظمة يبقى مرتبطاً بدرجة استقلاليتها الفعلية، وبطريقة اختيار أعضائها، وبقدرتها على ممارسة صلاحياتها بعيداً عن تأثير المصالح السياسية أو الطائفية التي لطالما أثرت في عدد من القطاعات العامة في لبنان.
وعلى الرغم من أهمية مشروع القانون، فإن إقراره في مجلس النواب لا يمثل النهاية، بل بداية مرحلة أكثر أهمية تتمثل في حسن التطبيق. فالقوانين مهما بلغت درجة تقدمها تبقى محدودة الأثر إذا لم ترافقها إرادة سياسية حقيقية، وثقافة قانونية ومهنية لدى مختلف الأطراف المعنية.
كما أن حماية الإعلام لا تقتصر على النصوص القانونية فقط، بل تحتاج إلى تعزيز أخلاقيات المهنة، وتطوير التعليم الإعلامي، ونشر ثقافة التحقق من الأخبار، خصوصاً في ظل البيئة الرقمية التي أصبحت فيها المعلومة تنتشر بسرعة تفوق قدرة المؤسسات التقليدية على التدقيق والمعالجة.
وفي هذا الإطار، تشكل برامج التوعية التي تعمل عليها الجهات المختصة بالتعاون مع المؤسسات الدولية، ومنها اليونسكو، خطوة أساسية في بناء مجتمع قادر على التعامل مع المعلومات بوعي ومسؤولية، ومواجهة ظاهرة التضليل الإعلامي التي أصبحت من أبرز تحديات العصر.
في المحصلة، إن مشروع قانون الإعلام الجديد في لبنان يمثّل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والإعلام على أساس مختلف، قوامه الحرية والمسؤولية والاستقلالية. فهو لا يهدف فقط إلى تعديل قوانين قديمة، بل يسعى إلى تأسيس رؤية حديثة للإعلام باعتباره ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية ودولة القانون.
وإن إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، وإنشاء قضاء مدني متخصص، وتنظيم الإعلام الرقمي، واستحداث هيئة مستقلة ناظمة، كلها خطوات يمكن أن تضع لبنان أمام مرحلة جديدة من العمل الإعلامي الأكثر مهنية وحرية.
ويبقى الرهان الحقيقي ليس فقط على إقرار النص التشريعي، بل على ضمان تطبيقه بروح الإصلاح التي انطلق منها، بما يعزز الثقة بالإعلام، ويحمي حق المواطنين في المعرفة، ويرسخ دور الصحافة كمساحة للنقاش العام والمساءلة وبناء دولة القانون.
د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.