مفاوضات روما… هل تدخل «اتفاقية الإطار» مرحلة التنفيذ؟

10

بقلم د. ابراهيم العرب

تشكل الجولة الجديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، المنعقدة في العاصمة الإيطالية روما، محطة سياسية وأمنية مفصلية في مسار تطبيق التفاهمات التي أُبرمت برعاية الولايات المتحدة. فهذه الجولة لا تُقرأ بوصفها اجتماعًا تقنيًا أو دبلوماسيًا فحسب، بل باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الوسطاء الدوليين على نقل «اتفاق الإطار» من دائرة الالتزامات النظرية إلى حيّز التنفيذ العملي، في ظل تعقيدات ميدانية وسياسيّة متشابكة، وانعدام الثقة بين الطرفين.

ويكتسب اختيار روما دلالات تتجاوز البعد اللوجستي، إذ يعكس رغبة أميركية في توسيع قاعدة الرعاية الدولية للمفاوضات، وإضفاء بعد أوروبي أكثر وضوحًا على الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار في جنوب لبنان. فإيطاليا، بحكم دورها المحوري داخل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، تمثل شريكًا قادرًا على توفير مظلة سياسية داعمة للمسار التفاوضي، ولا سيما في ظل تنامي الاهتمام الأوروبي بأمن شرق المتوسط باعتباره جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الأوروبي والدولي.

وتأتي هذه الجولة تنفيذًا لما نصّ عليه اتفاق الإطار من تشكيل لجان فنية وسياسية تتولى متابعة تطبيق بنوده، بما يشمل الترتيبات الأمنية، وآليات الانسحاب، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة القضايا التقنية واللوجستية المرتبطة بخطّ وقف الأعمال العدائية. ومن هنا، فإن المفاوضات الحالية لا تؤسس لاتفاق جديد، بل يفترض بها أن تبحث في آليات تنفيذ اتفاق قائم، وهو فارق قانوني وسياسي بالغ الأهمية، لأن أي نقاش يتجاوز هذه الحدود من شأنه أن يبدّل طبيعة الاتفاق وأهدافه.

غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بمدى التزام إسرائيل بتطبيق موجباتها. فالمؤشرات الميدانية لا توحي حتى الآن بوجود استعداد إسرائيلي للانسحاب الكامل من المناطق التي لا تزال تحتلها، بل إن المقاربة الإسرائيلية تبدو قائمة على إدارة الالتزامات وفق اعتبارات أمنية خاصة، لا وفق النصوص المتفق عليها. ولذلك، لا يزال الانسحاب يُطرح باعتباره إجراءً مشروطًا وقابلًا للمراجعة، مع احتفاظ إسرائيل بحق العودة إلى المناطق التي تنسحب منها متى اعتبرت أن الظروف الأمنية تستوجب ذلك، الأمر الذي يفقد الانسحاب قيمته القانونية والسيادية، ويحوّله إلى تدبير عسكري مؤقت لا إلى تنفيذ فعلي للاتفاق.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع الجدل القائم حول ما يُعرف بـ”المناطق التجريبية”، التي ناقشها وفد عسكري أميركي مع قيادة الجيش اللبناني تمهيدًا لتطبيق نموذج أولي للانسحاب والانتشار قبل زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن. ورغم أن هذا الملف منفصل تقنيًا عن اجتماعات روما، فإن نجاحه أو فشله سيترك أثرًا مباشرًا على المناخ السياسي للمفاوضات، لأن أي إخفاق في تنفيذ المرحلة التجريبية سيؤكد استمرار الهوة بين التعهدات السياسية والوقائع الميدانية.

وتشير المعلومات إلى أن لبنان استكمل استعداداته العسكرية والإدارية لهذه المرحلة، إذ أعد الجيش اللبناني خطط الانتشار والوحدات المكلّفة بتولي المسؤولية فور الانسحاب الإسرائيلي، بما يعكس جاهزية المؤسسات اللبنانية لتحمّل مسؤولياتها الأمنية كاملة. غير أن هذه الجاهزية تبقى رهينة القرار السياسي الإسرائيلي، الذي لم يحسم حتى الآن طبيعة المناطق المشمولة بالانسحاب ولا جدوله الزمني وآليات تنفيذه.

وفي المقابل، يرفض لبنان بصورة قاطعة أي محاولة لربط الانسحاب الإسرائيلي بشروط سياسية تتعلق بملفات داخلية، وفي مقدمها قضية سلاح حزب الله. فالموقف اللبناني الرسمي يستند إلى مبدأ قانوني واضح، مفاده أن تنفيذ الاتفاق يبدأ بانسحاب قوات الاحتلال من الأراضي اللبنانية، بما يسمح للجيش اللبناني بالانتشار الكامل وممارسة صلاحياته السيادية، فيما تُعالج القضايا الداخلية وفق الآليات الدستورية اللبنانية، بعيدًا عن أي ضغوط أو اشتراطات خارجية.

ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية في ظل توجهات العهد الجديد بقيادة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي جعل من استعادة سلطة الدولة وتعزيز حضور المؤسسات الشرعية عنوانًا رئيسيًا لبرنامجه السياسي. فالدولة اللبنانية تسعى إلى تكريس مفهوم احتكار السلطة الشرعية لوسائل القوة، ولكن من خلال مقاربة وطنية متدرجة تحفظ الاستقرار الداخلي، ولا تسمح بتحويل هذا الملف إلى أداة ابتزاز سياسي أو ذريعة لتأجيل تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية.

ومن هنا، فإن جوهر الأزمة لم يعد يقتصر على مسألة الانسحاب من بعض النقاط الحدودية، بل بات يتعلق بطبيعة الرؤية الإسرائيلية لاتفاق الإطار نفسه. فهناك انطباع متزايد لدى الأوساط السياسية والدبلوماسية بأن تل أبيب تتعامل مع الاتفاق باعتباره وسيلة لإدارة النزاع وضبط إيقاعه، وليس إطارًا لإنهائه بصورة نهائية. وهذا ما يفسر استمرار العمليات العسكرية، والمماطلة في تنفيذ الالتزامات، والسعي إلى إعادة تفسير بعض البنود بما يخدم الأولويات الأمنية الإسرائيلية.

وفي موازاة ذلك، يبرز الحراك الأوروبي بوصفه عنصرًا جديدًا قد يؤثر في مستقبل المفاوضات. فالإعلان عن توجه ألماني – فرنسي لإطلاق مبادرة مشتركة لدعم السلام في لبنان يعكس إدراكًا أوروبيًا متناميًا بأن استقرار لبنان لم يعد قضية محلية أو إقليمية فحسب، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الأوروبي، في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة شرق المتوسط. وإذا ما نجحت باريس وبرلين في تنسيق جهودهما مع الولايات المتحدة والأمم المتحدة، فقد يسهم ذلك في توفير شبكة ضمانات دولية تعزز فرص تنفيذ الاتفاق وتحدّ من احتمالات العودة إلى التصعيد.

وعلى المستوى الاستراتيجي، تبدو الولايات المتحدة حريصة على تحقيق تقدم ملموس قبل زيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن، إدراكًا منها أن أي نجاح في تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق سيمنح الإدارة الأميركية إنجازًا دبلوماسيًا إضافيًا في منطقة تشهد تحولات متسارعة، كما سيعزز موقع الدولة اللبنانية في إدارة الملف الحدودي من خلال مؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني.

لكن، في المقابل، فإن استمرار إسرائيل في ربط الانسحاب بشروط سياسية وأمنية إضافية سيؤدي إلى إفراغ اتفاق الإطار من مضمونه، وتحويله إلى مجرد إطار تفاوضي مفتوح، يسمح بإدارة الأزمة دون حلها. وعندئذ، ستتحول جولات التفاوض المتتالية إلى عملية تفاوض بلا نهاية، تتقدم شكليًا وتتراجع عمليًا، فيما يبقى الواقع الميداني على حاله.

إن الجولة السادسة من مفاوضات روما تمثل لحظة مفصلية في مسار العلاقة بين النصوص القانونية والوقائع السياسية. فإذا نجح الوسطاء في إلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، ولا سيما الانسحاب الفعلي وتمكين الجيش اللبناني من الانتشار الكامل، فإن اتفاق الإطار سيكون قد دخل بالفعل مرحلة التنفيذ، بما يؤسس لواقع أمني أكثر استقرارًا ويعزز سيادة الدولة اللبنانية.

أما إذا استمرت إسرائيل في إعادة تفسير الاتفاق وفق اعتبارات أمنية أحادية، وربطت تنفيذه بشروط تتجاوز نصوصه الأصلية، فإن روما لن تكون سوى محطة جديدة في مسار طويل من إدارة الأزمة، لا في طريق حلها. وعندها، سيبقى اتفاق الإطار وثيقة سياسية معلقة بين إرادة التنفيذ وحسابات القوة، فيما سيظل الاستقرار في جنوب لبنان رهينًا بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحويل الضمانات الدبلوماسية إلى التزامات عملية ملزمة، لأن السلام الحقيقي لا يُقاس بعدد جولات التفاوض، بل بمدى احترام الاتفاقات وتنفيذها بحسن نية، وفق قواعد القانون الدولي ومبادئ السيادة المتبادلة.

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.