مفاوض إسرائيليّ سابق: نتنياهو يريد “إسرائيل الكبرى”

5

بقلم إيمان شمص

«أساس ميديا»

يؤكّد المفاوض الإسرائيليّ السابق دانييل ليفي أنّ هدف إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، ليس التوسّع الجغرافيّ وحده، بل فرض هيمنة إقليميّة شاملة سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة (إسرائيل الكبرى)، لإعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط. يحذّر من أنّ هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، سواء من حيث الإفراط في التمدّد أو من ردود الفعل الإقليميّة، وهو ما قد يهدّد إسرائيل نفسها، علاوة على رفضه من قبل دول المنطقة.

يعتبر ليفي الذي يُعدّ محلّلاً سياسيّاً بريطانيّاً-إسرائيليّاً ومستشاراً سابقاً للحكومة الإسرائيليّة، ويتمتّع بخبرة في الشرق الأوسط والقضيّة الفلسطينيّة، وكان مفاوضاً إسرائيليّاً سابقاً في قمّة طابا وعمليّة السلام في اتّفاقيّة أوسلو 2، أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لا يمتلك خطّة في الحرب الأميركيّة الإسرائيليّة على إيران، في حين يؤكّد أنّ لبنيامين نتنياهو خطّة واضحة، إذ استغلّ بصفته استراتيجيّاً محنّكاً إدارة ترامب الثانية وفرصة السيولة الجيوسياسيّة للوصول إلى هدفه النهائيّ: إسرائيل الكبرى.

يوضح ليفي أنّ مفهوم “إسرائيل الكبرى” يتجاوز سياسة التوسّع الجغرافيّ وتهجير الفلسطينيّين وتشريدهم، التي تتّبعها إسرائيل منذ نشأتها، والتي تسارعت بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين:

– في قطاع غزّة، الذي دمّرته بشكل شبه كامل وأعادت احتلاله وحصر السكّان في نحو 12% فقط من مساحة ضيّقة أصلاً، وفي الضفّة الغربيّة، حيث تواصل توسيع سيطرتها وزيادة الاستيطان.

– في سوريا، بعد سقوط بشّار الأسد عام 2024، حيث استولت على أراضٍ تتجاوز هضبة الجولان التي ضمّتها سابقاً بشكل غير قانونيّ.

– في لبنان تعمل على إعادة فرض وجودها في جنوبه، ويدعو وزراء من حزبَي “الصهيونيّة الدينيّة” و”القوّة اليهوديّة”، إضافة إلى نوّاب من حزب الليكود، علناً إلى فرض السيادة الإسرائيليّة والاستيطان على أراضيه. بل ودعا وزير الماليّة بتسلئيل سموتريتش إلى التوسّع “حتّى دمشق”، بينما أقرّ نتنياهو بشعوره “بارتباط وثيق” بهذه الرؤية الإقليميّة.

مفهوم جيوسياسيّ واستراتيجيّ

في رأي ليفي، ينبغي النظر إلى “إسرائيل الكبرى” كمفهوم جيوسياسيّ واستراتيجيّ بقدر ما هو مفهوم إقليميّ. بينما يُعدّ الاستحواذ على الأراضي والسيطرة عليها الجانب الأكثر وضوحاً، يتمثّل الهدف الأعمق لنتنياهو في بناء مشروع هيمنة قائم على تحالفات جديدة مدعومة بالقوّة العسكريّة.

يعتبر ليفي أنّه لفهم هذا المسار يجب العودة إلى ما جرى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأوّل، حين “تعثّرت محاولاتها للاندماج الإقليميّ، أي تطبيع العلاقات مع جيرانها العرب بشكل متزايد، مع اتّضاح حجم ووحشيّة ردّ إسرائيل في غزّة. وواجه نتنياهو خيارين: إمّا إعادة إحياء مسار التطبيع عبر مقاربة أكثر توافقاً مع الفلسطينيّين، أو التمسّك برفضه لأيّ مستقبل فلسطينيّ. باختياره الخيار الثاني، كان نتنياهو بحاجة إلى إزاحة إيران من موازين القوى الإقليميّة، وهي خطوة استلزمت تدخّلاً عسكريّاً أميركيّاً مباشراً وواسع النطاق إلى جانب إسرائيل”.

يشير في هذا السياق إلى تحليل كتَبه، في الأيّام التي سبقت الحرب مع إيران، مسؤولان أمنيّان إسرائيليّان سابقان في نشرة معهد القدس للاستراتيجية والأمن اعتبرا فيه أنّ إسقاط النظام الإيرانيّ أو إضعافه بشدّة من شأنه، من وجهة نظر دول سنيّة رئيسة، أن يعزّز مكانة إسرائيل كـ”قوّة إقليميّة مهيمنة”. لكنّ تحقيق ذلك لا يتطلّب فقط إضعاف إيران، بل أيضاً إضعاف دول مجلس التعاون الخليجيّ وجعلها تعتمد على إسرائيل في الأمن ومسارات تصدير الطاقة.

استهداف الخليج مقصود

من هذا المنظور، يمكن، في رأي ليفي، اعتبار تداعيات الحرب، المتمثّلة في استهداف دول مجلس التعاون الخليجيّ بطائرات مسيّرة وصواريخ إيرانيّة، سمة مقصودة من جانب إسرائيل، وليست أضراراً جانبيّة مؤسفة. وكما كان متوقّعاً، تأثّر وصول دول الخليج إلى الأسواق العالميّة عبر مضيق هرمز بشكل كبير خلال الحرب.

مع تصعيد إسرائيل باستهداف البنية التحتيّة للطاقة الإيرانيّة، ردّت إيران باستهداف دول الخليج. استغلّ نتنياهو الفرصة للدعوة إلى إيجاد “بدائل لمضيق هرمز ومضيق باب المندب”، متوقّعاً إنشاء خطوط أنابيب نفط وغاز تمتدّ غرباً عبر شبه الجزيرة العربيّة وصولاً إلى إسرائيل، ثمّ إلى موانئها على البحر الأبيض المتوسّط. بل وفي تصريحات علنيّة، عرض نتنياهو ملامح مشروعه لفرض الهيمنة، فطرح، خلال زيارة رئيس الوزراء الهنديّ ناريندرا مودي، فكرة إنشاء “تحالف سداسيّ” يضمّ الهند، الدول العربية، الدول الإفريقيّة، ودول شرق المتوسّط مثل اليونان وقبرص، إضافة إلى دول آسيويّة، على أن تكون إسرائيل في مركز هذا التحالف.

يشير ليفي أيضاً إلى مقال نُشر أخيراً باللغة العبريّة يوضح بعض جوانب هذا المشروع، اعتبر فيه مسؤولان بارزان في معهد الاستراتيجية التابع للجيش الإسرائيليّ أنّ الجيش الإسرائيليّ لن يكتفي بالسيطرة المباشرة على الأراضي، بل سيسعى أيضاً إلى فرض “سيطرة عملياتيّة في مناطق بعيدة عن حدود إسرائيل، دون احتلالها أو السيطرة عليها”، وهو ما يمنح إسرائيل “مكانة متفوّقة” ويُرسي “نظاماً إقليميّاً يعزّز أهدافها”.

المواجهة المقبلة مع تركيا؟

يعتبر ليفي أنّ وصف نتنياهو، في خطاباته الأخيرة، لإسرائيل بـ”قوّة عظمى إقليميّة”، بل “قوّة عظمى عالميّة في بعض النواحي”، يهدف إلى وضع إسرائيل في قلب تحالف إقليميّ قادر على الاستمرار حتّى في حال تراجع النفوذ الأميركيّ، مع توجيه هذا التحالف السداسيّ ضدّ “المحور الشيعيّ الراديكاليّ… والمحور السنّيّ الراديكاليّ الناشئ”، والتلميح إلى أنّ “التهديد” التالي الذي يجب التصدّي له هو تركيا.

يحذّر ليفي من أنّ الحديث عن “إسرائيل الكبرى” ليس مبالغاً فيه، بل يعكس توجّهاً حقيقيّاً داخل النخبة السياسيّة والأمنيّة في إسرائيل. أصبحت النزعة الحربيّة متجذّرة بعمق في الطبقة السياسيّة الإسرائيليّة، سواء في الحكومة أو المعارضة، وفي المؤسّسة الأمنيّة ونخبة اليمين الجديد ووسائل الإعلام. يرى أنّ هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، سواء من حيث الإفراط في التمدّد أو ردود الفعل الإقليميّة، قد تهدّد إسرائيل نفسها، علاوة على رفضه من قبل دول المنطقة، مشدّداً على أنّ احتواء هذا المشروع وردعه قد يكونان من أبرز التحدّيات التي تواجه إسرائيل في مرحلة ما بعد الحرب.

إيمان شمص

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.