من إلغاء الإعدام في لبنان إلى إدانة إعدام الأسرى الفلسطينيين/1

12

المحامي  أسامة العرب

لا تزال عقوبة الإعدام حاضرة في البنية التشريعية اللبنانية، وإن كانت غائبة عمليًا عن حيّز التنفيذ منذ عام 2004. فهذا التناقض بين النص والممارسة يعكس واحدة من الإشكاليات العميقة في النظام القانوني اللبناني: دولة تُبقي في قوانينها على عقوبة قصوى لا تطبّقها، فتترك المحكومين بها في منطقة رمادية قاسية بين الحياة والموت، وبين الحكم والتنفيذ، وبين الردع المزعوم والعقوبة النفسية الممتدة.

ففي لبنان، لا يقتصر النص على عقوبة الإعدام على قانون العقوبات وحده، بل يمتد إلى قوانين أخرى، أبرزها قانون القضاء العسكري وبعض التشريعات الخاصة. ووفق المعطيات القانونية المتداولة، يتضمن قانون العقوبات اللبناني تسع عشرة جريمة معاقبًا عليها بالإعدام، فيما يتسع الإطار التشريعي العام ليشمل أكثر من واحد وأربعين نصًا يجيز إنزال هذه العقوبة بحق مرتكبي نحو عشرين جريمة، موزعة بين قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري، إضافة إلى عدد محدود من القوانين الخاصة. ومن بين هذه النصوص ما ورد في القانون رقم 673 الصادر في 16 آذار/مارس 1998 والمتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية والسلائف الكيميائية، وكذلك نصّان في القانون رقم 64 الصادر في 12 آب/أغسطس 1988 والمتعلق بحماية البيئة من التلوث الناجم عن النفايات الخطرة والمواد الضارة.

غير أن وجود النص شيء، وتنفيذه شيء آخر. فمنذ عام 2004، امتنع لبنان فعليًا عن تنفيذ أحكام الإعدام، بما يجعله من الدول التي تعتمد وقفًا واقعيًا أو فعليًا لهذه العقوبة، من دون أن تبلغ بعد مرحلة الإلغاء التشريعي الكامل. وهذا المسار لم يكن معزولًا عن المناخ الدولي العام، إذ شجعت الأمم المتحدة، عبر قراراتها ومقارباتها الحقوقية، الدول التي لا تزال مترددة في الإلغاء القانوني على اعتماد الوقف العملي للتنفيذ بوصفه خطوة انتقالية نحو الإلغاء النهائي.

لكن السؤال الجوهري هنا هو: هل يكفي أن تتوقف الدولة عن تنفيذ الإعدام فيما تُبقيه معلقًا في قوانينها وأحكامها القضائية؟ وهل من المقبول، قانونيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا، أن يعيش محكومون بالإعدام سنوات طويلة، وربما عقودًا، تحت وطأة حكم لا يُنفّذ ولا يُلغى؟ إن هذا الوضع لا ينسجم مع فلسفة العدالة الحديثة، بل يحوّل العقوبة من إجراء قضائي محدد إلى عذاب نفسي مستمر، ويضع الدولة أمام تناقض صارخ بين التزامها الشكلي بالقانون وبين مسؤوليتها الفعلية عن صون الكرامة الإنسانية.

من هنا تكتسب خطوة لجنة الإدارة والعدل النيابية في لبنان أهمية استثنائية، بعدما اتجهت إلى إقرار مبدأ إلغاء عقوبة الإعدام من القوانين اللبنانية من دون استثناءات، مع إرجاء الصيغة النهائية لاقتراح القانون إلى جلسة لاحقة. فإذا اكتمل هذا المسار تشريعيًا، فإن لبنان سيكون أمام تحوّل نوعي في فلسفة العقاب، وسينتقل من مرحلة الوقف العملي إلى مرحلة الإلغاء القانوني، ملتحقًا بذلك بركب أكثر من مئة وأربعين دولة ألغت عقوبة الإعدام في القانون أو في الممارسة.

ولا ينبغي النظر إلى هذا التحول بوصفه تفصيلًا قانونيًا داخليًا فحسب، بل بوصفه إعلانًا سياسيًا وأخلاقيًا عن طبيعة الدولة التي يريدها اللبنانيون: دولة لا تتخلى عن العدالة، لكنها ترفض الانتقام؛ دولة تعاقب الجريمة، لكنها لا تنزل إلى مستوى إزهاق الحياة باسم القانون؛ دولة تؤكد أن الردع لا يتحقق بالضرورة عبر أقصى العقوبات، بل عبر عدالة فعالة، وقضاء مستقل، ومحاكمات عادلة، ومؤسسات قادرة على حماية المجتمع من دون انتهاك الحقوق الأساسية للإنسان.

إن الحجج المؤيدة لإلغاء عقوبة الإعدام باتت اليوم أكثر قوة واتساقًا مع التطور العالمي في مجال حقوق الإنسان. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة الخامسة منه، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة السابعة، يؤكدان مبدأ حظر التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة. ورغم أن النقاش القانوني الدولي حول الإعدام مرّ بمراحل متعددة، فإن الاتجاه الغالب في الفقه الحقوقي الحديث يعتبر أن هذه العقوبة تتعارض مع جوهر الحق في الحياة، ومع مبدأ الكرامة الإنسانية، ومع فكرة العدالة القابلة للتصحيح.

فالخطأ القضائي ليس احتمالًا نظريًا، بل واقع أثبتته تجارب دولية كثيرة. وقد كشفت ملفات متعددة في دول متقدمة قضائيًا عن تبرئة أشخاص حُكم عليهم بالإعدام بعد سنوات طويلة، بفضل تطور وسائل الإثبات العلمي، وفي مقدمتها تحاليل الحمض النووي. وإذا كان السجن المؤبد أو العقوبات الطويلة تتيح، ولو جزئيًا، إمكانية تصحيح الخطأ، فإن الإعدام يغلق الباب نهائيًا أمام أي مراجعة أو إنصاف لاحق. ولهذا، فإن الخطر الأكبر في عقوبة الإعدام لا يكمن فقط في قسوتها، بل في كونها عقوبة لا رجعة عنها.

ومن الزاوية السياسية، فإن الدولة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على إنزال العقاب الأشد، بل بقدرتها على إدارة العدالة ضمن حدود القانون والكرامة. فالقوة الحقيقية للدولة لا تتمثل في قدرتها على قتل المدان، بل في قدرتها على محاسبته من دون أن تفقد هي نفسها طابعها الإنساني. وكلما ازدادت الأزمات الأمنية والسياسية، ازدادت الحاجة إلى التمسك بالمعايير الحقوقية، لا إلى التخلي عنها تحت ضغط الغضب الشعبي أو منطق الثأر.

وتتضاعف أهمية المسار اللبناني نحو إلغاء عقوبة الإعدام إذا ما قورن بما يجري في المقلب الآخر من الصراع الإقليمي، وتحديدًا في إسرائيل، حيث أُقرّ في 30 آذار/مارس 2026 قانون يتيح فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين. إن هذا القانون لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تعديل جنائي أو إجراء أمني، بل يجب فهمه في سياقه السياسي الأوسع: سياق الاحتلال، والتمييز، والتفوق الإثني، وانهيار الضمانات القانونية للفلسطينيين داخل منظومة قضائية وأمنية تُدار أساسًا بعقلية استعمارية.

فالخطورة في ما يسمى «قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين» لا تكمن فقط في إقرار عقوبة الإعدام من حيث المبدأ، بل في كونها موجّهة سياسيًا وعرقيًا ضد فئة محددة واقعة تحت الاحتلال. وهذا ما يجعلها أقرب إلى أداة ردع جماعي وانتقام سياسي منها إلى عقوبة جنائية مجردة. فحين تُسنّ قوانين استثنائية في ظل احتلال عسكري طويل، وحين تُطبّق على شعب محروم أصلًا من السيادة والعدالة المتكافئة، فإن الحديث عن «محاكمة عادلة» يصبح إشكاليًا إلى حد بعيد.

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.