نبيه بري.. لا أرانب بعد اليوم
بقلم نديم قطيش
فرض عقوبات أميركية على نواب حزب الله ليس جديداً. إفتُتح هذا المسار في تموز 2019، حين فرضت عقوبات أميركية على نائبي حزب الله أمين شري ومحمد رعد، وهي المرة الأولى في تاريخ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التي يُستهدف فيها نواب برلمانيون في إطار قوائم دعم المنظمات الإرهابية. (أستثني هنا عقوبات طالت أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني وعقوبات طالت سياسيين عراقيين بصفتهم قادة عسكريين لميليشيات)
العنوان الحقيقي لعقوبات الأمس هو رئيس مجلس النواب نبيه بري، كونها طالت أبرز مسؤولَين في محيطه الشخصي، هما أحمد بعلبكي وعلي الصفاوي ( الأول من قلب الجهاز الأمني السياسي المالي لحركة أمل، والثاني قائد ميليشيا أمل في الجنوب).
بالتوازي مع ذلك طالت العقوبات مسؤولين رئيسيين في المؤسسات التي لطالما قدّم بري نفسه حارسها وراعيها والضامن لعدم انزلاقها.
شملت العقوبات العميد خطار ناصر الدين، رئيس دائرة الأمن القومي في المديرية العامة للأمن العام، والعقيد سامر حمادي رئيس فرع الضاحية في الاستخبارات العسكرية للجيش اللبناني، وهو ما يعد الإختراق الأعمق للعقوبات الأميركية داخل الأجهزة الأمنية اللبنانية، وسابقة في تاريخ العلاقة الأميركية-اللبنانية، ودعمها للأجهزة الأمنية الرسمية، لا سيما الجيش اللبناني.
أسقطت العقوبات بهذا المعنى الحصانة الوظيفية لنبيه بري، التي بناها طوال أكثر من اربعة عقود على قاعدة أنه صمام الأمان، والوسيط الذي لا غنى عنه لمنع الإنفجار بين الدولة والدويلة. ظلت واشنطن تتجنب إستهدافه. ونظرت اليه الحكومات الغربية والعربية بوصفه “الضرورة المطلقة للاستقرار”.
فحين كانت واشنطن تضغط، كان بري يرتدي عباءة المفاوض. وحين كان حزب الله يتمدد، كان بري يتبرع بأدوار التهدئة. وحين كانت الدولة تُستباح، كان بري يُقنّن الاستباحة ببروتوكولات التسوية.
العقوبات الأخيرة تفيد بأن واشنطن تخلت عن صمام أمان يُنظّم ويُديم الضغط بدل أن يبدده تماماً. ووضعت حداً لأحد أبرز صناع التسويات التي تنتحل صفة التوازن بين الدولة والدويلة، في حين أنها تتقدم كل مرة خطوة إضافية على مسار إخضاع الدولة للدويلة.
كما أسقطت العقوبات كل التنظير عن حلول تتحدث عن دمج ميليشيا حزب الله في الدولة، لأن كل محطة دمج، غير مباشرة، انتهت بأن الحزب استخدم شرعية الدولة ومؤسساتها دون أن يخضع لسلطتها. وكان نبيه بري، على الدوام، الجسر الذي جعل هذا الأمر ممكناً. من منح جوازات سفر شرعية لناشطي حزب الله بأسماء مزيفة إلى تحويل الأمن اللبناني إلى رافد من روافد أمن حزب الله، مرورا بجعل الخارجية اللبنانية في حقب متعددة منصة ترويج لسردية الحزب وحارسة على ثوابته.
واشنطن تقول اليوم بلغة لا تحتاج ترجمة: مزاعم الوساطة مع من يجب أن يُنزع سلاحه كاملاً باتت عرقلةً للحل. والمُسهّل لإختراق حزب الله للدولة هو شريك في هذه البنية، لا شاهد عليها.
يتجاوز ما حصل هوية المعاقبين، ليصل الى مستوى إسقاط الصفة والدور عن الرئيس نبيه بري، ومصادرة قبعته السياسية بكل ما فيها من أرانب، كانت دوماً غذاءً مضموناً لتسمين الميليشيا الذئب.
نديم قطيش
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.