هل يتعلّم اللبنانييون من الدرسٌ الهندي في إدارة الدولة؟
بقلم سحر ناصر
من أبجديات إدارة شؤون الدولة ألّا تبقى أسير مشكلة يستفيد منها الآخرون. بهذا المبدأ لخّص وزير خارجية الهند، سوبرامانيام جايشانكار، سياسة بلاده في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. ويكتسب هذا المبدأ أهميته في ظل مساعي نيودلهي لتحسين علاقتها مع بكين، بعد لقاء جمع رئيس الوزراء ناريندرا مودي بالرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة بريكس الـ18.
وفي المقابل، تطرح الهند نفسها كخيار إستراتيجي غير رسمي للولايات المتحدة، من خلال عضويتها في مجموعة «كواد» إلى جانب واشنطن وطوكيو وكانبيرا، رغم تعثّر المفاوضات التجارية بينها وبين واشنطن.
على الجبهة الأوروبية، قدّمت الهند مقترحًا شاملًا لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، بهدف المساعدة في تأمين سلامة الملاحة في البحر الأسود، وضمان صادرات الحبوب والطاقة، وإمكانية الامتناع عن شنّ هجمات، بحسب تصريحات وزير خارجيتها عقب اجتماع قادة ميونخ الأخير.
في الشرق الأوسط، تعمل الهند على توسيع تعاونها مع دول الخليج عبر التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، فضلًا عن زياراتها المكوكية الأخيرة إلى دول آسيا الوسطى لتعزيز شراكاتها الاستراتيجية معها، إضافة إلى توقيعها اتفاقيات أمنية وتقنية مع “إسرائيل”.
ما تفعله الهند اليوم لا يشبه الوقوف على مسافة واحدة من الجميع. فهي لا تتخذ موقف الحياد البارد، بل تسعى إلى توسيع دائرة خياراتها وتقليص دائرة تبعيتها. فالهند، التي تطمح إلى أن تصبح مركزًا صناعيًا منافسًا للصين، لا تزال تحتاج إلى مدخلات صينية في قطاعات حيوية، من الإلكترونيات إلى الأدوية والآلات. لذلك تستورد اليوم ما تحتاج إليه لبناء قدرة محلية تقلّل حاجتها غدًا. كذلك تحتاج الهند إلى التكنولوجيا والاستثمار والتعاون الدفاعي الأمريكي، كما تحتاج واشنطن إلى الهند في موازين القوى الآسيوية. لكن نيودلهي تدرك أن تحويل الصين إلى عدو دائم قد يجعلها أكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة. لذلك، فإن إبقاء قناة مستقرة مع بكين لا يضعف موقع الهند أمام واشنطن، بل يمنحها هامشًا أوسع في التفاوض معها.
ينطبق المنطق نفسه على الشرق الأوسط. فقد تجاوزت علاقات الهند مع دول الخليج معادلة النفط والعمالة، لتشمل الاستثمار والموانئ واللوجستيات والتكنولوجيا. كما تحتفظ الهند بتعاون دفاعي وتكنولوجي متقدم مع “اسرائيل”. عبر هذا النموذج، يظهر فن إدارة الدولة، وهو أن تتعاون مع قوى متنافسة في ملفات مختلفة، من دون أن تستورد شبكة خصوماتها. قد تكون التجربة الهندية، الغنية بالإثنيات والطوائف، مهمة للبنان اليوم، رغم الفارق الهائل في الحجم والقوة، وهو فارق قد يحدد قدرة كل منهما على المناورة، لكنه لا يلغي مبدأ تنويع العلاقات من أجل إنتاج قرار وطني مستقل. فهل يستطيع لبنان استخدام علاقاته المختلفة لتوسيع هامش مصلحته، لا لتوسيع ساحة انقسامه؟
المعضلة اللبنانية لم تكن يومًا في نقص علاقاته الخارجية، بل في تحوّل هذه العلاقات إلى امتداد للاستقطابات الداخلية، وإلى صراع على هوية لبنان وموقعه، بدل أن تخدم مصلحته الوطنية.
يمكن لبيروت أن تعيد بناء علاقتها مع الخليج بوصفه عمقًا عربيًا واقتصاديًا واستثماريًا. ويمكنها الحفاظ على علاقاتها المستجدة مع الولايات المتحدة، وتعزيز تقاربها مع أوروبا من البوابة الفرنسية، والتعامل مع الصين كفرصة تجارية وتكنولوجية، ومقاربة علاقتها بإيران من زاوية سيادة الدولة ومصالحها. أما العلاقة مع “إسرائيل”، فتبقى حالة مختلفة بطبيعة الحال. لكن المبدأ يكمن في أن ترتبط حسابات الدولة بالمصلحة اللبنانية الوطنية، لا بحسابات الآخرين.
الدرس الهندي للبنان لا يكمن في الموازنة بين أمريكا والصين، فحجم الهند وموقعها على الخارطة العالمية لا يُقارن بلبنان. إنما المطلوب هو الفصل بين العلاقات، وعدم السماح لأي شريك خارجي بأن يحدّد للدولة قائمة أصدقائها وخصومها، في مرحلة تستدعي توسيع دائرة الشركاء، وإخراج الدولة اللبنانية من مأزق وضعت نفسها فيه، ثم منحت مفتاح الخروج منه للآخرين.
هل يمتلك اللبنانيون أنفسهم منطق التعلّم من الدرس الهندي، أم سيبقون أسرى لمشكلة يدفعون كلفتها بينما يقطف الآخرون مكاسبها؟.
سحر ناصر
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.