هل يُراد لرياض سلامة أن يتحوّل لكبش محرقة؟ / 1

2

بقلم د. ابراهيم العرب

تطرح الأزمة المالية والنقدية اللبنانية سؤالاً يتجاوز شخص رياض سلامة، ليتصل بجوهر النظام المالي والسياسي الذي حكم البلاد طوال عقود: هل يجوز اختزال واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في تاريخ لبنان الحديث بشخص واحد، أياً تكن مسؤوليته القانونية أو الإدارية؟ أم أن العدالة الحقيقية تقتضي تفكيك منظومة القرارات التي أنتجت الانهيار، وتحديد المسؤوليات وفقاً للأدوار والصلاحيات والأفعال، لا وفقاً لمدى سهولة تحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك؟

إن السؤال عن مسؤولية حاكم مصرف لبنان السابق ليس سؤالاً في اتجاه واحد. فمن حق القضاء أن يحقق في أي شبهة أو مخالفة، ومن حق الدولة أن تسترد الأموال العامة وأن تحاسب كل من يثبت ارتكابه جرماً أو إساءة استعمال للسلطة. لكن من حق الرأي العام، في المقابل، أن يسأل سؤالاً أكثر اتساعاً: هل كانت السياسة النقدية والمالية التي انتهجها مصرف لبنان منفصلة عن خيارات الحكومات المتعاقبة ومجالس النواب والسلطات السياسية والمالية؟ وهل يمكن تفسير الانهيار الذي وقع عام 2019 وما تلاه من انهيار نقدي ومصرفي من دون العودة إلى مسار طويل من العجز المالي، وتراكم الدين العام، والإنفاق الحكومي، والاقتراض، وإدارة المالية العامة؟

الأزمة لم تبدأ في مصرف لبنان

من الخطأ المنهجي التعامل مع الانهيار المالي اللبناني باعتباره حدثاً بدأ في عام 2019. فالانهيار كان نتيجة مسار تراكمي امتد سنوات طويلة، تراكمت خلاله اختلالات المالية العامة، وارتفع الدين العام، واتسعت الحاجة إلى التمويل، بينما بقي الاقتصاد الحقيقي عاجزاً عن إنتاج نمو مستدام يكفي لتمويل حاجات الدولة وخدمة ديونها.

وقد أدى مصرف لبنان دوراً محورياً في النظام المالي اللبناني، ولا سيما في إدارة السياسة النقدية والحفاظ على استقرار سعر الصرف وتمويل القطاع العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن الأطر والآليات التي نشأت عبر السنوات. لكن وجود المصرف المركزي في قلب المنظومة المالية لا يعني أنه كان السلطة الوحيدة التي تقرر السياسة الاقتصادية للدولة. فالإنفاق العام تقرره السلطة السياسية، والموازنات تُقرّ عبر المؤسسات الدستورية، والاستدانة العامة ترتبط بقرارات الدولة المالية، وإصدار سندات الخزينة وسندات اليوروبوند جزء من سياسة إدارة الدين العام، فيما كانت الحكومات المتعاقبة تتحمل مسؤولية تحديد أولويات الإنفاق والاقتراض والإصلاح الاقتصادي.

ومن هنا، فإن تحميل الحاكم وحده المسؤولية السياسية عن ثلاثين عاماً من السياسات العامة يثير إشكالية جوهرية: هل كان مصرف لبنان هو الذي وضع وحده الموازنات العامة؟ وهل كان هو الذي قرر بمفرده حجم الدين العام؟ وهل كان هو الذي وضع السياسات الضريبية والإنفاقية؟ وهل كان وحده صاحب القرار في استمرار النموذج الاقتصادي القائم؟ إنّ الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية قبل الانتقال إلى الحكم على المسؤوليات.

الاقتراض من مصرف لبنان: ضرورة التمييز بين الدين العام والسياسة النقدية

يحتاج النقاش في هذه المسألة إلى قدر كبير من الدقة، لأن الخلط بين الدين العام والتمويل النقدي يمكن أن يؤدي إلى استنتاجات مضللة. فالدولة اللبنانية راكمت ديناً عاماً ضخماً عبر عقود، وكان جزء مهم من هذا الدين ممولاً من المصارف التجارية والمستثمرين المحليين والأجانب، من خلال أدوات دين مختلفة، وفي مقدمتها سندات الخزينة وسندات اليوروبوند. وكان مصرف لبنان جزءاً أساسياً من هذه المنظومة المالية، سواء بصفته مصرف الدولة المركزي أو من خلال الأدوات النقدية والمالية التي استخدمها للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي.

ومع مرور الوقت، أصبح الاقتصاد اللبناني أكثر اعتماداً على تدفقات الأموال من الخارج، وعلى قدرة النظام المصرفي على جذب الودائع بالعملات الأجنبية، وعلى المحافظة على الثقة في الليرة والنظام المصرفي. وفي ظل محدودية النمو الاقتصادي وارتفاع الحاجات التمويلية للدولة، أصبح النموذج أكثر هشاشة أمام أي تراجع في تدفقات الأموال أو ارتفاع في المخاطر.

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط التي ينبغي أن يتوقف عندها أي تحقيق جدي: لم يكن الخلل في مجرد وجود الاقتراض، بل في تحوّل الاقتراض إلى نموذج مستدام يقوم على تأجيل معالجة الاختلالات الأساسية، مع الاعتماد المتزايد على قدرة النظام المالي على جذب السيولة الجديدة لتمويل الالتزامات القائمة. وبعبارة أخرى، كانت المشكلة في استدامة النموذج، لا في وجود أداة مالية واحدة يمكن تحميلها وحدها مسؤولية الانهيار.

من أزمة السيولة إلى أزمة الثقة

بلغت الأزمة مرحلة حاسمة عندما بدأت تدفقات رؤوس الأموال إلى لبنان بالتراجع، وازدادت الضغوط على القطاع المصرفي والاحتياطيات بالعملات الأجنبية، في وقت كانت فيه التزامات الدولة والمصارف كبيرة. ثم جاء قرار حكومة الرئيس حسان دياب اللبنانية بالتوقف عن سداد سندات اليوروبوند، في خطوة شكّلت نقطة تحوّل أساسية في مسار الأزمة. وكان لهذا القرار أثر بالغ على علاقة الدولة بالأسواق المالية وعلى الثقة بالنظام المالي اللبناني.

لكن ينبغي هنا تجنّب التفسير التبسيطي الذي يربط كل ارتفاع لاحق في سعر صرف الدولار بقرار واحد منفرد. فالامتناع عن سداد اليوروبوند كان حدثاً مفصلياً، لكنه وقع داخل منظومة كانت تعاني أصلاً من اختلالات عميقة في المالية العامة والقطاع المصرفي وميزان المدفوعات والثقة النقدية. وعندما تتوقف الدولة عن سداد ديونها، تتضرر قدرتها على الاقتراض، وتتعرض الثقة بالقطاع المالي لضربة إضافية، خصوصاً إذا كانت المصارف تحمل كميات كبيرة من الدين السيادي. ومع تقلص تدفقات العملات الأجنبية، تصبح قدرة النظام المصرفي على تلبية طلبات المودعين والتحويلات الخارجية أكثر صعوبة. وهكذا تنشأ حلقة مفرغة: تراجع الثقة يؤدي إلى طلب أكبر على الدولار، وارتفاع الطلب على الدولار يضغط على سعر الليرة، وتراجع قيمة العملة يرفع كلفة السلع المستوردة، وارتفاع الأسعار يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية، فيما تؤدي القيود المصرفية وفقدان الثقة إلى مزيد من الدولرة.

ومن هنا يمكن فهم الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار، لا بوصفه نتيجة ميكانيكية لقرار واحد، بل بوصفه نتيجة لتفاعل عدة عوامل مالية ونقدية ومصرفية وسياسية تراكمت عبر سنوات.

أين تذهب مسؤولية الحكومات؟

إذا كان مصرف لبنان مسؤولاً عن القرارات التي تدخل ضمن صلاحياته، فإن السؤال المقابل يجب أن يطرح بالجدية نفسها: ماذا عن مسؤولية الحكومات المتعاقبة؟ فالحكومات هي التي كانت تدير المالية العامة، وهي التي كانت تضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والإنفاقية، وهي التي كانت تتخذ قرارات الاقتراض وإدارة الدين ضمن الإطار الدستوري والقانوني، وهي التي كانت مطالبة بوضع إصلاحات تمنع تحول الدين العام إلى عبء غير قابل للاستدامة. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل حكومة أو كل وزير أو كل نائب يتحمل المسؤولية نفسها. العدالة لا تقوم على التعميم، بل على تحديد الأفعال والقرارات والصلاحيات والنتائج.

لكن العدالة نفسها ترفض أن يتحول البحث عن المسؤولية إلى عملية انتقائية، فيُفتح ملف مؤسسة واحدة، بينما تبقى القرارات السياسية والمالية التي صنعت البيئة التي عملت فيها تلك المؤسسة خارج دائرة التدقيق الجدي.

وإن السؤال العادل ليس: «من هو الشخص الذي يمكن تحميله المسؤولية؟» بل: «من اتخذ القرار؟ ومن استفاد منه؟ ومن وافق عليه؟ ومن كان يعلم بمخاطره؟ ومن امتلك صلاحية منعه؟ ومن استمر في النهج نفسه بعد ظهور مؤشرات الخلل؟». هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تقود إلى مساءلة حقيقية.

يتبع غداً

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.