هل يُراد لرياض سلامة أن يتحوّل لكبش محرقة؟ / 2

6

بقلم د. ابراهيم العرب

وهنا، لا يجوز تحويل هذه المقالة إلى دفاع سياسي عن رياض سلامة، كما لا يجوز تحويلها إلى إدانة مسبقة له. فالمسؤولية القانونية تُحددها المحاكم، وليس المقالات ولا الخطاب السياسي ولا المزاج الشعبي.

وإذا ثبت أمام القضاء أن سلامة ارتكب جرائم أو خالف القوانين أو أساء استعمال السلطة أو استفاد بصورة غير مشروعة من موقعه، فإن المحاسبة تصبح واجباً لا خياراً. ولا ينبغي لأي موقع سابق أو نفوذ أو مرحلة سياسية أن يحول دون تطبيق القانون. لكن الوجه الآخر للمسألة لا يقل أهمية: إذا كان ثمة مسار قضائي يلاحق سلامة، فهذا لا يعني أن البحث عن الحقيقة يجب أن يتوقف عنده.

فالقول إن شخصاً مسؤول عن أفعال محددة لا يعني تلقائياً أنه المسؤول الوحيد عن انهيار دولة بأكملها. وبين الأمرين فارق قانوني وسياسي ومنهجي كبير.

كما أن جعل شخص واحد عنواناً للأزمة قد يكون مريحاً سياسياً وإعلامياً، لأنه يوفر للرأي العام إجابة بسيطة عن مشكلة معقدة. غير أن التفسير البسيط ليس بالضرورة تفسيراً صحيحاً. فالأزمات الكبرى لا تصنعها عادة شخصية واحدة، بل تصنعها منظومات من القرارات، وتراكمات من الأخطاء، ومصالح متشابكة، وآليات رقابة لم تعمل كما ينبغي، ومؤسسات لم تتخذ في الوقت المناسب القرارات اللازمة لمنع الانهيار.

قرينة البراءة ليست امتيازاً لرياض سلامة

في المقابل، ينبغي التمسك بقاعدة أساسية من قواعد العدالة: قرينة البراءة. فمذكرة التوقيف ليست حكماً بالإدانة، والتوقيف الاحتياطي تدبير إجرائي واحترازي تتخذه السلطة القضائية وفق شروط القانون، ولا يحوّل صاحبه إلى شخص مدان بحكم نهائي. والأصل أن المدعى عليه بريء حتى تثبت إدانته أمام محكمة مختصة، من خلال أدلة تُعرض وتُناقش في إطار حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.

وهذه القاعدة ليست وسيلة لحماية مسؤول سياسي أو مالي بعينه، بل هي من صميم دولة القانون. وإذا كانت الدولة تريد محاسبة من أضر بالمال العام، فإن عليها في الوقت نفسه أن تحمي حق المتهم في الدفاع عن نفسه. بل إن احترام قرينة البراءة هو الذي يمنح المحاسبة القضائية مشروعيتها؛ لأن العدالة لا تعني العثور على مذنب بسرعة، وإنما تعني الوصول إلى الحقيقة وفق القانون.

السؤال الذي يجب ألا يتوقف

من حق اللبنانيين أن يسألوا: أين ذهبت أموال الدولة؟ وكيف تراكم الدين؟ وكيف جرى تمويل العجز؟ وما هي مسؤولية الحكومات المتعاقبة؟ وما هي مسؤولية مصرف لبنان؟ وما هي مسؤولية المصارف؟ وما هي مسؤولية الهيئات الرقابية؟ وكيف اتُخذت القرارات التي سمحت باستمرار النموذج المالي رغم ظهور مؤشرات الخطر؟ ومن حقهم أيضاً أن يسألوا عن مصير الأموال التي كانت موجودة في النظام المصرفي، وعن أسباب الانهيار في ميزانيات المصارف، وعن كيفية توزيع الخسائر، وعن المسؤوليات التي سبقت الأزمة والتي تلتها.

أما اختزال كل هذه الأسئلة في شخص واحد، فهو لا يجيب عن السؤال الأكبر: كيف أفلس بلد بأكمله؟ وإن الرقم المتداول بشأن نحو 39 مليار دولار لا ينبغي أن يُطرح بوصفه رقماً سياسياً مجرداً، بل يجب أن يخضع لتدقيق مالي وقضائي مستقل يحدد مصدر الأموال المقصودة، وطبيعة الحسابات، ومسارات التحويل، وأصحاب الحقوق فيها، وكيفية التصرف بها. فالمحاسبة الجدية تبدأ من الأرقام الموثقة لا من الشعارات.

 العدالة التي تبحث عن الحقيقة لا عن كبش محرقة

إن لبنان لا يحتاج إلى محاكمة رمزية للأزمة بقدر ما يحتاج إلى محاسبة شاملة لها. وإذا أثبت القضاء مسؤولية رياض سلامة عن مخالفات أو جرائم، فيجب أن يتحمل نتائجها كاملة وفق القانون. لكن إذا كانت الأزمة نتاج ثلاثة عقود من السياسات المالية والنقدية والاقتصادية، فإن العدالة تقتضي أن تمتد التحقيقات إلى كل من شارك في صنع القرار، ضمن حدود مسؤوليته القانونية، من دون انتقائية أو تصفية حسابات سياسية. فالعدالة الحقيقية لا تعني أن نبحث عن شخص نضع عليه كل أوزار الانهيار، ثم نغلق الملف. إنّ العدالة تعني أن نعيد بناء سلسلة القرارات التي أوصلت لبنان إلى ما وصل إليه، وأن نعرف من اقترض، ومن أنفق، ومن وافق، ومن راقب، ومن استفاد، ومن امتلك القدرة على التصحيح ولم يفعل. فالأخطر من تبرئة أي مسؤول قبل الأوان هو أيضاً إدانة أي شخص قبل صدور حكم قضائي بحقه. كلا الأمرين يسيء إلى العدالة.

لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كان رياض سلامة مسؤولاً أم غير مسؤول، فهذه مسألة يحسمها القضاء في ضوء الأدلة، وإنما: هل ستملك الدولة اللبنانية الشجاعة لفتح الملف كاملاً، أم ستكتفي بتقديم شخص واحد للرأي العام بوصفه اختصاراً لانهيار شاركت في إنتاجه منظومة سياسية ومالية ومؤسساتية كاملة؟

وإنّ اللبنانيين لا يحتاجون إلى كبش محرقة، بل إلى حقيقة كاملة. ولا يحتاجون إلى متهم مثالي يختصر المأساة، بل إلى تحقيق يحدد المسؤوليات بدقة، ويسترد المال العام، ويكشف مسار القرارات التي أوصلت البلاد إلى الانهيار، ويضع الأساس القانوني والسياسي لمنع تكرار الكارثة. فالدولة التي تحاسب فرداً وتترك المنظومة التي أنتجت الأزمة بلا مساءلة، لا تكون قد حققت العدالة؛ أما الدولة التي تضع الجميع أمام القانون، من دون حصانة سياسية أو إدانة مسبقة، فهي وحدها القادرة على تحويل الانهيار من مأساة وطنية إلى درس مؤسسي قابل للتعلم منه.

د. ابراهيم العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.