وطن رهينة الكيدية السياسية… والمواطن يدفع الثمن

28

بقلم دافيد عيسى
لم يعد الخطر في لبنان ناتجًا فقط عن حجم الأزمات المتراكمة داخليًا وفي المنطقة، بل بات يكمن أيضًا في الطريقة التي يتصرّف بها بعض المسؤولين، ومعهم أصحاب العقلية الضيّقة التي تُخضع المصلحة العامة لمصالح شخصية وحسابات سياسية.
نعم… في بلد يترنّح بين حرب عسكرية وأوضاع اقتصادية مزرية، تُدار الملفات الأساسية بعقلية تسجيل النقاط، وتُعطَّل القرارات لا لعدم ضرورتها، بل لأن إنجازها أو توقيعها قد يُحسب لمصلحة خصم سياسي.
هذه الكيدية في التعاطي مع الشأن العام تهدّد صميم الدولة، وتُفرغ المسؤولية من بعدها الوطني. فعندما تصبح الأولوية لمن يربح سياسيًا، لا للوطن، يتحوّل البلد إلى مزرعة، ويصبح المواطن الخاسر الوحيد.
الأخطر من الأزمات المتراكمة هو غياب الإحساس بالمسؤولية الوطنية، لصالح رهانات شخصية بعيدة كل البعد عن الواقع اللبناني.
وبدل أن يكون الموقع أمانة، تحوّل عند بعضهم إلى امتياز؛ وبدل أن تكون المسؤولية تكليفًا في لحظة إنقاذ، باتت مجرد إدارة للأزمات بأقل كلفة على أصحاب القرار، وأعلى كلفة على الوطن والمواطنين.
في هذا السياق، يُترك اللبنانيون لمصيرهم، وتُعطَّل الاستحقاقات تحت ذرائع شتّى، ويغيب القرار الجريء، وتتقدّم سياسة الهروب إلى الأمام.
وكأن المسؤولية الوطنية لم تعد تعني حماية الكيان، أو صون الدستور، أو الدفاع عن حقوق الناس، بل الحفاظ على توازنات سلطوية هشّة، قابلة للانفجار في أي لحظة.
إن غياب المسؤولية الوطنية لدى هؤلاء له أثمان باهظة، إذ يفقد الدولة قدرتها على فرض هيبتها وحماية مواطنيها.
فكل استحقاق مؤجَّل، وكل قرار مؤجَّل، يُرسّخ منطق المرجعيات البديلة ويعمّق الانقسام الوطني، ويفتح الباب أمام اختلالات خطيرة في التوازنات الوطنية.
وفي خضم هذا المشهد القاتم، لا بد من التوقف عند موقع رئاسة الجمهورية، التي لا يمكن أن تكون شماعة فشلٍ مسبق ولا هدفًا دائمًا للمزايدات السياسية.
فرئيس الجمهورية تسلّم بلدًا ممزقًا ومنهكًا، مثقلاً بالأزمات، وفي ظل حرب قائمة ومفتوحة على احتمالات خطيرة، وتوازنات داخلية وخارجية شديدة التعقيد.
ومن غير المنطقي، مطالبته بالمعجزات أو محاسبته على إرث الانهيار المتراكم.
إن إنقاذ لبنان يمرّ حتمًا عبر إعطاء رئيس الجمهورية كل الدعم اللازم والفرصة الكافية للعمل، ووقف سياسة التشكيك المسبق والتعطيل، لأن استهداف الموقع الأول في الدولة لا يضعف الرئيس فحسب، بل يضرب ما تبقّى من الدولة ومعنى الكيان.
الدولة التي تتحكّم بها مصالح قوى متعطّشة للسلطة لا تحمي تنوّعها ولا تصون شراكتها الداخلية، بل تتحوّل إلى ساحة مفتوحة للصراعات والوصايات، فيما يدفع اللبنانيون ثمن الانقسام والخوف على المصير.
وما يزيد الأمور قتامة هو محاولة تحويل الأزمة إلى نمط حكم دائم. فبدل البحث عن حلول جذرية لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة، يكتفي بعض القيّمين على حالنا وأحوالنا بإجراءات مؤقتة ومسكنات تُبقي البلد في حالة شلل مزمن. وتتحوّل الطوارئ إلى قاعدة، ويُطلب من اللبنانيين التكيّف مع ما لا يمكن التكيّف معه.
إدارة الأزمة بهذه العقلية ليست حكمة، بل خيارًا مدمّرًا يراكم الخسائر ويؤجّل الانفجار. وتغدو السلطة مجرد جهاز لإدارة الانهيار، فيما تتآكل مقوّمات الدولة والاقتصاد والمجتمع، ويصبح الفشل مألوفًا، ويُعاد تعريف العجز على أنه إنجاز، حتى يقترب لبنان أكثر فأكثر من نقطة اللاعودة.
لبنان اليوم أمام مسار انحداري يهدّد أسس الدولة ومعنى الكيان. والاستمرار في سياسة الاستسهال والتأجيل ليس حيادًا، بل مشاركة فعلية في تعميق الانهيار. التاريخ لن يعفي أحدًا من المسؤولية، ولا سيما من اختار التردّد أو المساومة على حساب الوطن.
إنها لحظة خيارات مصيرية:
إمّا استعادة المسؤولية الوطنية وحماية الكيان،
وإمّا الاستمرار في الانزلاق نحو المجهول، حيث لا ينفع الندم، ولا تنقذ التسويات المتأخرة وطنًا جرى التفريط به.
دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.