وقف تنفيذ قانون العفو ومدى جدية أسباب الطعن / 1

31

المحامي  أسامة العرب

ليس كل قرار بوقف تنفيذ قانون هو قرار بإبطاله، كما أنّ تعليق مفاعيله بصورة مؤقتة لا ينبغي أن يُقرأ، لا في السياسة ولا في القانون، على أنّه حكم مسبق بعدم دستوريته. فبين وقف التنفيذ والإبطال مسافة دستورية لا يجوز اختصارها، لأن الأول تدبير مرحلي تحكمه اعتبارات التحفظ والاستقرار القانوني، فيما الثاني نتيجة نهائية تقتضي ثبوت مخالفة دستورية تستوجب إخراج النص من النظام القانوني.

من هنا تكتسب خطوة المجلس الدستوري، في قراره رقم 10 تاريخ 10 أيلول 2026، القاضي بوقف مفعول قانون العفو العام، أهميتها الحقيقية. فالقرار، مع المخالفة المسجلة من العضوين عوني رمضان وميشال طرزي، لا يحسم في ذاته مصير القانون المطعون فيه، ولا يمكن أن يُستخلص منه أنّ المجلس قد كوّن قناعته النهائية لجهة إبطال القانون برمته. إنّما نحن أمام إجراء مؤقت يراد منه، قبل كل شيء، تجنّب ترتيب آثار قانونية واسعة قد يصعب التراجع عنها إذا انتهى المجلس، بعد استكمال بحثه، إلى إبطال بعض أحكام القانون أو تعديل آثاره. وهذه نقطة أساسية في فهم وظيفة القضاء الدستوري: التحفظ في مرحلة التدبير المؤقت لا يعني الحسم في مرحلة الحكم النهائي.

أولاً: وقف التنفيذ ليس حكماً بالإبطال

لا يمكن قراءة قرار وقف مفعول قانون العفو العام بمعزل عن طبيعة المهمة التي يضطلع بها المجلس الدستوري. فالمجلس لا يعمل بمنطق سياسي يقوم على تأييد القانون أو رفضه، ولا ينظر إلى النص من زاوية مدى استحسانه أو سوءه، وإنما يفحص مدى توافقه مع القواعد والمبادئ الدستورية.

ومن الطبيعي، في قضية يتصل موضوعها بسقوط دعاوى عامة وعقوبات وملاحقات وأحكام، أن يتعامل المجلس بحذر مع تنفيذ النص قبل حسم الطعن. فتنفيذ العفو، ولا سيما إذا أدى إلى إنهاء ملاحقات أو إسقاط عقوبات أو ترتيب آثار يصعب عكسها، قد يخلق واقعاً قانونياً جديداً قبل أن يقول القضاء الدستوري كلمته النهائية. لذلك، فإن وقف التنفيذ يمكن فهمه بوصفه تدبيراً احترازياً لحماية الاستقرار القانوني والقضائي، وليس بوصفه قرينة قاطعة على عدم دستورية القانون.

بل إن القول إن وقف التنفيذ يعني حكماً أنّ القانون سيُبطل لاحقاً يخلط بين مرحلتين مختلفتين من الرقابة الدستورية. فالمجلس قد يجد، بعد البحث في أسباب الطعن، أنّ بعضها جدّي ويستوجب إزالة فقرات أو عبارات محددة من القانون، من دون أن يصل إلى نتيجة تقضي بسقوط القانون بكامله. وهذا هو الاحتمال الذي ينبغي أن يحضر بقوة في قراءة الطعن الحالي.

ثانياً: قوة الطعن لا تقاس بعدد أسبابه بل بقدرته على إثبات مخالفة دستورية مباشرة

تضمّن الطعن المقدّم في 9 أيلول 2026 مجموعة واسعة من الأسباب، تراوحت بين عيوب تكوين الإرادة التشريعية، ومخالفة أصول التشريع، ومبدأ فصل السلطات، ومبدأ المساواة، وحقوق الضحايا، والمعايير الدستورية والدولية الناظمة للعفو العام.

غير أنّ كثرة الأسباب لا تعني بالضرورة قوتها القانونية. فالمعيار الحقيقي أمام المجلس الدستوري هو مدى قدرة كل سبب على إثبات مخالفة دستورية مباشرة ومؤثرة في النص المطعون فيه.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الأسباب التي قد تملك قابلية جدية للنقاش الدستوري، وبين الأسباب التي تبدو أقرب إلى النقد السياسي أو إلى مناقشة ملاءمة الخيارات التي اعتمدها المشرّع. فالمجلس الدستوري ليس مشرّعاً بديلاً، ولا يملك أن يسأل، من حيث الأصل، عما إذا كان العفو العام خياراً سياسياً موفقاً أو غير موفق، بل عمّا إذا كان المشرّع، وهو يمارس اختصاصه، قد تجاوز الحدود التي رسمها له الدستور.

ثالثاً: عيوب التصويت والإرادة التشريعية

من أكثر أسباب الطعن حساسية ما يتصل بالمادة 36 من الدستور، ولا سيما لجهة وجوب التصويت على القوانين بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوت عال.

وهذا السبب لا يمكن الاستهانة به من الناحية النظرية، لأن الإرادة التشريعية ليست مجرد نتيجة رقمية تظهر في نهاية الجلسة، وإنما هي إرادة تتكوّن وفق إجراءات دستورية محددة. وحين يفرض الدستور شكلاً معيناً للتصويت، فإن احترام هذا الشكل يرتبط بسلامة العملية التشريعية ذاتها.

لكن السؤال الحاسم يبقى: هل ثبت بصورة يقينية أن طريقة التصويت التي اعتمدها مجلس النواب خالفت النص الدستوري مخالفة جوهرية أثّرت فعلاً في تكوين الإرادة التشريعية؟ فمجرد إثارة الشكوك حول طريقة التصويت لا يكفي وحده لإبطال قانون. المطلوب إثبات عيب دستوري جوهري، لا مجرد مخالفة إجرائية يمكن أن تكون غير مؤثرة في النتيجة النهائية أو في حقيقة الإرادة التي عبّر عنها المجلس.

والأمر نفسه ينطبق على القول بتحوير النص بعد التصويت عليه. فإذا ثبت أنّ النص الذي نُشر أو أُقر نهائياً ليس هو النص الذي صوّت عليه المجلس، فإن المسألة تصبح شديدة الخطورة، لأنها تمسّ جوهر السيادة التشريعية. أما إذا كان الخلاف متعلقاً بتفسير أو تنسيق أو صياغة لم تغيّر مضمون الإرادة التي أقرها المجلس، فإن الأمر يحتاج إلى إثبات أكثر دقة مما يقدمه مجرد الادعاء بوجود تحوير.

وعليه، فإن هذا الوجه من الطعن قد يكون قابلاً للبحث الجدي، لكن الجدية هنا لا تعني حتمية الإبطال.

رابعاً: وضوح القانون وقابليته للفهم

أما السبب المتعلق بغموض النص وعدم قابليته للتطبيق، فيستند إلى مبدأ مهم كرّسه الاجتهاد الدستوري اللبناني والمقارن، وهو مبدأ وضوح القانون وقابليته للفهم والإدراك. فالقانون لا يخاطب رجال القانون وحدهم، وإنما يخاطب المجتمع بأسره. ومن مقتضيات دولة القانون أن يكون المواطن قادراً، بالقدر المعقول، على معرفة حقوقه وواجباته والآثار القانونية المترتبة على أفعاله.

وقد تطور هذا المبدأ في الاجتهاد الدستوري الفرنسي، ثم وجد صداه في الاجتهاد اللبناني، بحيث أصبح وضوح القاعدة القانونية وحسن إدراكها من الضمانات المهمة في مواجهة التعسف وفي حماية الحريات.

غير أنّ الاستناد إلى هذا المبدأ لا يؤدي تلقائياً إلى إبطال قانون العفو العام بأكمله. فالرقابة الدستورية على وضوح القانون تتجه، في الأصل، إلى النصوص الغامضة أو المتناقضة أو غير القابلة للفهم أو التطبيق، ولا تعني أن كل عبارة قابلة لتفسيرات متعددة تستوجب إسقاط القانون برمته.

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.