وقف تنفيذ قانون العفو ومدى جدية أسباب الطعن / 2

11

المحامي  أسامة العرب

وبالتالي، إذا وجد المجلس أن بعض فقرات القانون جاءت فضفاضة أو ملتبسة، فإن النتيجة الطبيعية قد تكون معالجة موضعية لهذا الخلل، سواء بالإبطال الجزئي أو بتفسير النص ضمن الحدود الدستورية، لا بالضرورة بإعدام القانون كله.

خامساً: الأسباب الموجبة ليست في مرتبة النص التشريعي

من أكثر النقاط التي تبدو، في تقديري، أقل قدرة على تأسيس إبطال شامل، ما يتعلق بالأسباب الموجبة للقانون.

صحيح أن الأسباب الموجبة قد تكون نافذة مهمة لفهم خلفيات التشريع والغاية التي أراد المشرّع تحقيقها، وقد يستعين بها القضاء في تفسير النص عندما يكون قابلاً لأكثر من معنى. إلا أنّها لا تتمتع بذات القوة الإلزامية التي يتمتع بها النص التشريعي نفسه.

وهنا يكتسب اجتهاد المجلس الدستوري أهمية خاصة، إذ سبق أن اعتبر أن الأسباب الموجبة لا تتمتع، بحد ذاتها، بالطابع القانوني الذي تتمتع به أحكام القانون، وبالتالي لا تخضع لرقابته الدستورية بذات الطريقة التي يخضع بها النص التشريعي.

وعليه، فإن افتراض وجود عبارة غير دستورية في الأسباب الموجبة لا يعني بالضرورة أنّ القانون ذاته غير دستوري. فالرقابة الدستورية تنصرف أساساً إلى الأحكام التي أنشأها المشرّع وأقرّها، لا إلى كل تعليل سياسي أو تشريعي أُرفق بها.

وهذه التفرقة تبدو جوهرية في قضية العفو العام، لأنّ مخالفة غاية معلنة للدستور، إن وجدت، لا تكفي وحدها لإبطال النص ما لم تنعكس هذه المخالفة في مضمون تشريعي محدد.

سادساً: فصل السلطات وحدود الاختصاص التشريعي

يبقى مبدأ فصل السلطات من أكثر المبادئ أهمية في الطعن، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى مقاربة دقيقة. فالدستور اللبناني لا يقوم على فصل ميكانيكي صارم بين السلطات، بل على الفصل والتوازن والتعاون بينها. ومن ثم فإن تدخل المشرّع في تنظيم آثار قانونية تدخل في نطاق عمل السلطة التنفيذية أو القضائية لا يصبح غير دستوري بمجرد حصول هذا التدخل؛ بل يجب أن يتجاوز المشرّع حدود وظيفته التشريعية وأن يحلّ فعلياً محل سلطة أخرى في ممارسة اختصاصها الدستوري.

أما في ما يتعلق بالعفو العام، فإن المسألة أكثر تعقيداً، لأن العفو العام بطبيعته التشريعية يرتب آثاراً على الدعاوى العامة والعقوبات، وهو ما يجعل تدخّل المشرّع في هذا المجال أمراً مختلفاً عن تدخله في قرار إداري فردي.

ولهذا فإن القول إن إسقاط بعض الآثار الإدارية المترتبة على الأحكام أو الملاحقات يشكل حكماً تعدياً على السلطة التنفيذية يحتاج إلى تدقيق شديد: هل ألغى المشرّع قراراً إدارياً معيناً بوصفه قراراً فردياً، أم أنّه وضع قاعدة عامة جديدة رتبت آثاراً قانونية على فئة محددة من الحالات؟

الفارق بين الأمرين جوهري. فإذا كان القانون قد استهدف بصورة مباشرة قرارات إدارية فردية ومحددة وحلّ محل الإدارة في تقديرها، فقد يثور بالفعل إشكال يرتبط بفصل السلطات. أما إذا كان المشرّع قد أنشأ قاعدة عامة ذات آثار قانونية، فإن مجرد انعكاس هذه القاعدة على قرارات إدارية قائمة لا يكفي، وحده، للقول إن السلطة التشريعية مارست وظيفة إدارية.

سابعاً: العفو العام والمساواة ومبدأ التناسب

أما أكثر وجوه الطعن عمقاً فهو ذلك المتعلق بالمساواة وبالحدود الدستورية للعفو العام. فالعفو العام، مهما كانت دوافعه، يمثل خروجاً استثنائياً على التطبيق المعتاد للقواعد الجزائية، ولذلك يجب أن يكون خاضعاً لضوابط تمنع تحوله إلى امتياز شخصي أو إلى أداة لإسقاط المسؤولية عن أشخاص محددين دون معيار موضوعي.

غير أن ذلك لا يعني أن كل تمييز تشريعي يشكل خرقاً لمبدأ المساواة. فالمساواة أمام القانون لا تعني معاملة جميع الأشخاص والأفعال بصورة متطابقة في جميع الظروف، وإنما تعني أن يكون التمييز قائماً على معيار موضوعي ومبرر ومتناسب مع الغاية المشروعة التي يسعى إليها المشرّع. ومن هنا، فإن السؤال الدستوري ليس: هل استفادت فئة معينة من العفو؟

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.