ياغي لـ «الشرق» الدولة تخلّت تاريخياً عن الاستيراد المباشر للمحروقات لصالح الشركات الخاصة متوقّعاً قفزات غير طبيعية في أسعار النفط حتى نهاية العام
باب المندب يتحوّل الى عقدة جديدة في سوق النفط
كتبت ريتا شمعون
أثارت سيطرة الحوثيين على منطقة باب المندب والساحل الغربي لليمن المطل على البحر الأحمر، مخاوف حول مصير الحركة البحرية قرب هذا الممر الاستراتيجي الذي يربط آسيا بأوروبا.
حيث يفتح هذا الانتشار لجماعة الحوثي الباب لبسط نفوذها على الممرّ المائي الحيوي لصادرات النفط من السعودية، والذي ازدادت أهميته بالنسبة للرياض منذ إغلاق إيران مضيق هرمز بعد اندلاع الحرب مع أميركا. هنا لن نتحدث عن أزمة إقليمية محدودة، وإنما عن ازمة عالمية في الطاقة والتجارة وسلاسل الامداد، فمضيق هرمز يمثل شريانا رئيسيا للطاقة العالمية، بينما يمثل باب المندب بوابة أساسية لحركة التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس. وما بين موجة التصعيد، ومحادثات أميركية إيرانية لا تزال نتائجها معلقة حول مصير حرية الملاحة في هرمز، وانعكاس ذلك في باب المندب يبقى السؤال، أي الممرين يملك فعلا مفتاح أمن الطاقة والتجارة العالميين؟ وأيهما أقدر على إحداث الصدمة الأعمق حين يتوقف الإبحار فيه؟
في هذا الوقت، قررت السعودية وقف العمل بأنبوب نفط يربط بين حقول الإنتاج في مناطقها الشرقية وسواحلها المطلة على البحر الأحمر، بعد خروج خط أنابيب شرق-غرب عن الخدمة نتيجة الهجمات الأخيرة، كما ألغت أرامكو جميع شحنات النفط الخام المخصصة لأوروبا التي كان من المفترض تحميلها من أواخر الشهر الجاري فصاعدا، بالتالي انخفضت امدادات النفط الخام السعودي الى أدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاثة عقود. يشير الخبير النفطي الدكتور ربيع ياغي في حديث خاص لجريدة «الشرق» الى ان القرار السعودي إيقاف خط أنابيب شرق-غرب خط ( Petroline) ، يأتي بعد تعرضه لعدة استهدافات، وهو خط يمتد لمسافة نحو 1200 كيلومتر، تصل طاقته التصميمية القصوى الى نحو 6 الى 7 ملايين برميل يوميا. ويوفر مساراً حيويا لتصدير النفط السعودي نحو الأسواق العالمية متجاوزا مضيق هرمز. ويعدّ شريانا استراتيجيا أساسيا لاستقرار أسواق الطاقة العالمية، ويعزز ثقة الأسواق العالمية بقدرة المملكة على إيصال النفط في مختلف الظروف والأزمات. ويستند ياغي في تحليله لخصوصية منطقة الخليج العربي الى كونها تشكل نحو ثلث الاحتياطي العالمي من الطاقة وتؤمن نسبة ضخمة من احتياجات العالم من النفط والغاز، إذ تمد السوق الدولية بنحو 60% من امدادات الطاقة المباشرة، وتلبي دول الخليج حصة كبيرة من الاستهلاك والطلب العالمي اليومي على الوقود عبر عبور ملايين البراميل يوميا، لافتا الى ان مضيق هرمز ومضيق باب المندب هما من أهم الممرات المائية الطبيعية والاستراتيجية في العالم، ويشكلان ركيزة أساسية لحركة التجارة العالمية والاقتصاد الدولي نظرا لموقعهما الجغرافي المرتبط بشبه الجزيرة العربية مضيفا: تمنح هذه الممرات شبه الجزيرة العربية ثقلا جيو-سياسيا هائلاً، وتجعل من أمن واستقرار هذه المنطقة ضرورة قصوى للأمن الاقتصادي العالمي. ويضيف ياغي، يتمتع مضيق باب المندب بأهمية استراتيجية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وعلى مستوى العالم أيضا كونه المعبر الى قناة السويس المصرية الذي يوفر أقصر مسار بحري يصل شرق العالم بغربه من خلال الربط بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، ويوضح، أعتقد أنه يجب التمييز اليوم بين سيناريو الاغلاق الكامل لمضيق باب المندب وسيناريو استمرار الملاحة مع ارتفاع مستوى المخاطر، ففي الحالتين تتأثر قناة السويس، موضحا في هذا السياق، أن إغلاق باب المندب لا يوقف قناة السويس جغرافيا لكنه يفرغها من حركة التجارة القادمة من آسيا باتجاه أوروبا مما يشل عملها عمليا. ويرى أن أي خلل أمني او طبيعي في الممرات التي نقصدها مثل (هرمز، باب المندب وقناة السويس) تنتج أزمات اقتصادية فورية، من ارتفاع أسعار الشحن والنقل الى ارتفاع تكاليف التامين بالإضافة الى ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة، مشيرا الى ان اغلاق مضيق باب المندب يضاعف الأزمة ويشكل ضربة إضافية للاقتصاد العالمي. وحذّر ياغي، من أزمة مزدوجة تضرب مضيقي هرمز وباب المندب معا، مما قد يدفع أسعار خام برنت لتجاوز حاجز 125 دولاراً للبرميل، ومن الارتفاع الحاد في أسعار الشحن للحاويات البحرية، وسيمتد تأثير هذا الارتفاع ليصل الى كل دول العالم، وسط التضخم الكبير الذي يضع الاقتصاد العالمي في مازق حقيقي يعرف باسم « الركود التضخمي». وأضاف ياغي، مع تعطل مسارات بديلة مثل خط أنابيب « شرق-غرب» السعودي جراء الهجمات، تزايدت الضغوط على الأسواق الآسيوية التي تعتمد على الخط العابر للبحر الأحمر، حيث تشكل الضغوط المعيشية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط محركا رئيسيا للشعوب لمطالبة حكوماتها بالتدخل لابتكار حلول سياسية عاجلة للحدّ من المأساة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط والدول الخليجية وفي السياق يتابع ياغي قائلاً: يدفع المستهلك في أوروبا وأميركا الضرائب والرسوم الحكومية غير المباشرة كإضافات أساسية ثابتة على أسعار المحروقات أينما كان، وتتوزع هذه الإضافات التي يتحملها المشتري النهائي عند محطات الوقود، التي تشهد هذه الفترة ارتفاعات قياسية وحادة لا سيما في وقود الديزل والبنزين، تعود هذه القفزات الى التوترات الجيوسياسية المتصاعدة وأزمات امدادات الطاقة العالمية.
وسال ياغي، ماذا يحدث لو اختفى نفط الخليج من العالم؟
أن توقف ضخ 6 ملايين برميل نفط يوميا من منطقة الخليج العربي سيؤدي الى صدمة طاقة عالمية غير مسبوقة، تتجاوز في حدتها أزمات النفط التاريخية ، ستقفز فورا أسعار النفط لتتجاوز حاجز 150 دولاراً للبرميل فقط اذا استمر التوقف لأسبوع ، وستتضاعف أسعار البنزين والديزل في محطات الوقود عالميا، مما يرفع تكلفة النقل والشحن البري والجوي والبحري، وسيواجه العالم حالة « ركود تضخمي» حيث ترتفع أسعار السلع بشكل جنوني وينكمش النمو الاقتصادي، متوقعا قفزة شتوية لأسعار الكهرباء في أوروبا.
كما توقع ياغي، أزمة طاقة غير طبيعية تدعم بقوة فرضية التعايش مع أسعار محروقات مرتفعة وغير طبيعية حتى نهاية العام 2026.
وفي قراءة للمشهد اللبناني في ظل التوترات الجيوسياسية في المنطقة، يبدي ياغي ، أسفه لدور الدولة الذي يقتصر أولاً: على تحديد الأسعار الرسمية للمشتقات النفطية ( الجدول الأسبوعي لأسعار المحروقات) استنادا الى أسعار النفط العالمية وسعر صرف الدولار، على الرغم من وجود نصوص قانونية تنظم تأسيس شركة نفط وطنية لكنها لم تبصر النور على ارض الواقع حتى الآن نتيجة التجاذبات السياسية.
وثانيا: « الشحادة» مثل لجوء الدولة الى التسول لتأمين الفيول لمؤسسة كهرباء لبنان عبر مناقصات أو اتفاقيات دولية ( مثل الاتفاق العراقي) بينما تخلت تاريخيا عن الاستيراد المباشر لصالح مجموعة من شركات استيراد وتوزيع المشتقات النفطية على مرافق التخزين الرئيسية وتستورد البواخر لحسابها، وتتحكم بالكميات وآليات التوزيع والتخزين، مشيرا الى ان تحالف هذه الشركات يشبه» كارتيلاً» ينظم الحصص والأسعار الفعلية وتوفير المواد في السوق حيث نجحت في تحويل الأزمات والحروب الى فرص لمضاعفة أرباحها الاستثنائية، ففي الوقت التي تعاني فيه مؤسسات الدولة من الانهيار يحقق هذا القطاع نموا لافتا نتيجة الاحتكار والارتباط بالمنظومة السياسية. واستبعد ياغي ، خروج الشارع في لبنان كالموجات الأوروبية احتجاجا على رفع الأسعار بنسب قياسية، فان قفزة أسعار الوقود شكلت « فتيلاً اجتماعياً» في العمق الأوروبي كفرنسا والبرتغال وفنلندا، وفي منطقتنا كسوريا محذرا المعنيين من تداعيات الأزمة على فواتير المولدات ولقمة العيش.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.