يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنت نَسْياً مَنْسيّاً
قول السيّدة مريم العذراء عليها السلام، الذي ورد في سورة مريم في القران الكريم (الآية 23) ذكّرني بما أصبحنا عليه اليوم من حال تمزّق الأكباد وتثير «القرف»، بعد أن انغمسنا نحن العرب في خلافاتنا وأنانياتنا ونرجسيّاتنا ومصائبنا وغبائنا، فرحت أصرخ مع الشاعر العربي الفرزدق:
لو أنّ أُمّ الناسِ حواء حاربت
تميم بن مُرّ لم تجد من يجبرها
كلام الفرزدق أثار فيّ فضولٌ ونقمة وحيرة… أتساءل والدموع تترقرق في عيني: أين أنتم يا عرب؟.. وماذا حلّ بكم؟ وكيف أصابتكم اللعنة؟
إنّ ما نعرفه اليوم بالعالم العربي، كان يٌعرف بأسماء عدّة قبل القرن السابع، عندما نزل الوحي على محمد بن عبدالله (صلعم) في مدينة مكة المكرّمة في شبه الجزيرة العربية، حتى أنّ تعبير العالم العربي كانت أطلقته بريطانيا على الأقطار التي تتكلم اللغة العربية بعد الحرب العالمية الأولى.
ولا ننسى أنّ اليهود الصهاينة شاركوا مع الانكليز والفرنسيين في تقسيم العالم العربي. وكان هدف الأفرقاء الثلاثة ضمان بناء الدولة اليهودية الجديدة، وزرع بذور الشكوك والتفرقة بين الأعراف والسلالات والطوائف والمذاهب: عرب، أكراد، آشوريين، سريان، كنعانيين، مسلمين، كاثوليك، موارنة، روم، علويين، دروز وبروتستانت الخ… إذاً الغرب والصهاينة هم من هندسوا العالم العربي بشكله الحالي: الهلال الخصيب، وادي النيل، والمغرب العربي الكبير، وأربع وحدات طبيعية فسخوها في اثنين وعشرين دويلة ضعيفة غير قابلة للاستقرار بإمكاناتها الذاتية.
وبعد صراع طويل، وحروب النفوذ على مصالح ضيّقة ونصر زائف زائل… بتنا على ما نحن عليه اليوم.. صار العرب يعانون من التفرقة وضعف التضامن السياسي في مواجهة الأزمات الكبرى. وأكبر سمات هذا التقهقر:
أولاً: التشرذم: لقد انقسم الموقف العربي الى توجهات متباينة، وغاب القرار الاستراتيجي المشترك.
ثانياً: السياسات القُطرية، إذ تكتفي أغلب الدول بالمصالح المحلية الضيّقة، وتتراجع الاهتمامات بالقضايا القومية.
ثالثاً: التأثير الإقليمي: لقد تراجع «الوزن» العربي في ميزان القوى لصالح أطراف إقليمية ودولية أخرى، تدير الصراعات في المنطقة.
رابعاً: يلعب الشباب العربي والمهاجرون في أوروبا دوراً بارزاً في التضامن العالمي مع القضايا العادلة.
خامساً: لكن أهم هذه السّمات فتتمثل بالفجوة التي تظل هوّة واسعة بين تطلعات الشعوب العربية في الوحدة والتنمية وبين الواقع السياسي للأنظمة الحاكمة.
أيها الأحبّة: في الخليج العربي، تُقصف المملكة العربية السعودية من الحوثيين، ومن أذرع إيران، ومن داخل العالم العربي… يا سلام… وتقصف البحرين وقطر والإمارات والكويت والأردن حتى عُمان، بيد أمهر الرّماة العرب المتواجدين داخل العالم العربي. لبنان، يحاول العرب إنقاذه من جحيمه، بينما يهون بالسماح لبعض فئاته بتصدير الكابتاغون والمخدرات لقتل مزيد من العرب؟
فهل هذا معقول؟ اسمحوا لي في مثل هذه الحال أن أخرج عن طوري لأقول: «يا ليتني مِتّ قبل هذا وكنت نَسْياً مَنْسيّاً».
علي معروف
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.