نعيم قاسم: فاوضونا!

9

بقلم أيمن جزيني

«أساس ميديا»

على غير عادته، خرج علينا الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم ببيان مطبوع بعدما كانت بياناته السابقة مكتوبة بخطّ اليد. هل هذا لزوم الأمن أم ضرورات التواصل فرضت عليه مخاطبة “بيئته” وآخرين بهذا الشكل؟

جاء خطابه ليضع لبنان بين خطاب “المقاومة” وأزمة السيادة التي يواجهها البلد، إذ تركّز في جزء منه على من يملك قرار الحرب والتفاوض، في حين جاء في أجزاء أخرى أنّ “الحزب” هو من يملك حقّ التفاوض وليست الدولة لأنّها لا تملك قرار الحرب والسلم.

يأتي البيان في لحظة لبنانيّة شديدة التعقيد إلى حدّ غير مسبوق: تصعيد عسكريّ مفتوح بين “الحزب” وإسرائيل، واندفاعة أميركيّة نحو فرض مسار تفاوضيّ، ودولة تحاول بصعوبة استعادة موقع المرجعيّة الوحيدة للقرار.

في هذا السياق، لا يمكن التعامل مع البيان كخطاب تعبويّ عابر، بل كوثيقة تريد رسم حدود السلطة داخل لبنان. سعى البيان إلى تعطيل مسار تفاوض الدولة لإبقاء ملفّ لبنان في يد إيران، بما يؤدّي إلى إضعاف دور الدولة اللبنانيّة وإقصائها عن قرارها السياديّ.

يؤسّس البيان منذ بدايته لرواية مكتملة وإن كانت مفتعلة أيضاً: العدوّ فشل، و”المقاومة” صمدت. بالتالي ليس استمرارها خياراً بل نتيجة حتميّة. تنقل هذه الحتميّةُ النقاشَ من حقل السياسة إلى حقل اليقين، حيث تُختزل الخيارات الممكنة في مسار واحد. غير أنّ هذه الصياغة تتجاهل واقعاً مركزيّاً: لبنان ليس بلداً موحّداً، بل مجتمع منقسم، ودولة مُتعبة تحاول احتواء التصدّع.

من حقّ “المقاومة” إلى احتكار القرار

يتجاوز البيان حدود الدفاع عن سلاح المقاومة ليطرح، بشكل ضمنيّ، مسألة أخطر: من يملك حقّ تقرير المسار السياسيّ؟

في قول قاسم إنّ “دعاة الاستسلام يدفعون من رصيد غيرهم”، يُفهم من هذه الجملة، ولو بشكل غير مباشر، أنّ الجهة التي تتحمّل الكلفة العسكريّة، وهي “الحزب”، ترى نفسها الأحقّ بتحديد اتّجاهات القرار، بما في ذلك مسار التفاوض، علماً أنّ الشيخ قاسم في خطاب سابق أعلن بوضوح أنّ “الحزب” متى انسحبت إسرائيل إلى الخطّ الأزرق لن يستهدف شمال فلسطين المحتلّة.

يقوّض هذا المنطق فكرة الدولة من أساسها. لا تقوم الدولة الحديثة على من يدفع أكثر، بل على من يملك التفويض العامّ والقدرة على تمثيل مجموع المواطنين. حتى في حالات ضعفها، تبقى الدولة الإطار الوحيد القابل للمساءلة وإعادة البناء، بخلاف أيّ قوّة موازية لا تخضع لمنطق المحاسبة نفسه.

يبلغ الخطاب ذروته في تأكيد استعادة “كلّ شبر من الأرض”، وعودة الأهالي إلى قراهم حتّى الحدود النهائيّة. تعيد هذه اللغة إنتاج سرديّة التحرير الكامل، لكنّها تطرح سؤالاً حادّاً: ما مدى تطابق هذا الوعد مع الواقع الميدانيّ؟

بينما يصرّ البيان على صورة الصمود، تشير المعطيات العامّة إلى ديناميّة ميدانيّة أكثر تعقيداً، حيث تستمرّ المواجهة من دون حسم واضح، مع تسجيل تقدّم للقوّات الإسرائيليّة داخل جنوب الأراضي اللبنانيّة.

الدّولة بين العجز البنيويّ والاستهداف السّياسيّ

لا يكتفي البيان بتعزيز موقع “المقاومة”، بل يذهب إلى نزع الشرعيّة عن السلطة اللبنانيّة، واتّهامها بـ”التنازل والإذعان”، ويقول عنها “لا يمكنها أن تستمرّ”. يضع هذا التصعيد الدولة في موقع الخصم، لا الشريك، ويُسقط عنها أهليّة إدارة التفاوض.

غير أنّ نقد الدولة، مع وجاهة بعض عناصره ومنها تفرّد “الحزب” بقرارَي الحرب والسلم، يبقى ناقصاً إذا لم يُستكمل بتفكيك أعمق لعجزها البنيويّ. لم تفشل الدولة اللبنانيّة فقط بسبب الضغوط الخارجيّة، بل ونتيجة بنيتها السياسيّة الهشّة، وانقسام نخبها، واعتمادها المزمن على التوازنات الإقليميّة. هذا الضعف الحقيقيّ هو ما يجعلها عرضة للضغط، لكنّه لا يلغي ضرورتها.

هنا تكمن المفارقة: الخطاب ينتقد الدولة لأنّها ضعيفة، لكنّه في الوقت نفسه يكرّس هذا الضعف عبر سحب القرار منها. النتيجة حلقة مفرغة: دولة عاجزة لأنّ القرار خارجها، والقرار خارجها لأنّ الدولة عاجزة.

تُظهر تجربة اتّفاق 17 أيّار 1983 أنّ مساراً تفاوضيّاً بلا غطاء داخليّ صلب قد يتحوّل إلى مصدر انقسام، لكنّها تُظهر أيضاً أنّ غياب قرار وطنيّ موحّد لا يحمي البلاد، بل يتركها مكشوفة أمام فرض الشروط من الخارج أو تفجيرها من الداخل.

التّفاوض معضلة سياديّة لا خيار تقنيّ

في خلفيّة كلام قاسم الأخير، يتصاعد النقاش في احتمال الذهاب إلى تفاوض مع إسرائيل. غير أنّ المشكلة، كما يكشفها الخطاب، ليست في مبدأ التفاوض بحدّ ذاته، بل في الجهة التي تملكه وتديره.

يميل جزء من اللبنانيّين إلى إنهاء الصراع، لكنّ هذا الميل يصطدم ببنية سياسيّة غير قادرة على ترجمته. في المقابل، يرفض “الحزب” أيّ مسار لا يمرّ عبره أو لا ينسجم مع حساباته الإقليميّة من خلال قول قاسم في البيان “لن نتخلّى عن السلاح والدفاع… وليعلم أصحاب السلطة بأنّ أداءهم لن ينفع لبنان ولن ينفعهم، فما يريده العدوّ الإسرائيليّ الأميركيّ منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إيّاه”.

هنا يتحوّل التفاوض من أداة حلّ إلى ساحة صراع على القرار.

إلى ذلك يجعل ارتباط الملفّ اللبنانيّ بتوازنات أوسع وبدور إقليميّ فاعل لإيران أيَّ مسار تفاوضيّ عرضة لأن يُدار ضمن شبكة مصالح إقليميّة، لا وفق منطق لبنانيّ خالص. إذ ورد في البيان “لم يكن ليحصل وقف إطلاق النار لولا الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة في محادثات باكستان”. في هذا الإطار، يمكن فهم موقف قاسم كجزء من محاولة إبقاء هذا الملفّ ضمن هذه الشبكة، لا تسليمه بالكامل لمؤسّسات الدولة.

سيادة بلا ازدواجيّة أو لا سيادة

في المحصّلة، لا يقدّم بيان الشيخ نعيم قاسم فقط دفاعاً عن “خيار المقاومة”، بل يطرح ضمنيّاً نموذجاً بديلاً للسيادة يقوم على أولويّة القوّة على حساب المؤسّسات الدستوريّة. في المقابل، تبقى الدولة اللبنانيّة، مع ضعفها، الإطار الوحيد القادر على إنتاج قرار عامّ قابل للاستمرار لأنّها وحدها تمتلك شرعيّة التمثيل وإمكانيّة المحاسبة.

لا يقف لبنان اليوم بين خيارين بسيطين، بل أمام مأزق بنيويّ: إمّا إعادة الاعتبار لكون الدولة المرجعيّة الوحيدة للقرار، بما يتطلّبه ذلك من تسويات داخليّة صعبة، أو استمرار تعدّد مراكز القرار، مع ما يحمله من استنزاف مفتوح، فتكون النتيجة: الحرب لا تُحسم، والسلام لا يُبنى.

تُظهر التجربة اللبنانيّة بوضوح أنّ كلفة التردّد ليست أقلّ من كلفة القرار، لكنّها تُظهر أيضاً أنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة هو أن تفقد حقّها في اتّخاذ القرار أصلاً. في هذه اللحظة السياسيّة تحديداً، لا يبدو الخطر في التفاوض أو رفضه، بل في استمرار غياب مرجعيّة سياديّة واحدة قادرة على أن تقرّر وتُلزم الجميع، باسم لبنان الدولة، لا الساحة المتّصلة بتوازنات إقليميّة هي الآن تُسمّى إيران، بعدما ارتبطت في مراحل سابقة بنفوذ منظّمة التحرير الفلسطينيّة، ثمّ بالوصاية السوريّة.

أيمن جزيني

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.