بقلم ملاك عقيل
«أساس ميديا»
تحت الضغط الأميركيّ أقدمت إسرائيل على الإفراج عن خمسة محتجزين (ثلاثة لبنانيّين وسوريَّين)، مقابل جهد رسميّ لبنانيّ، عسكريّ وسياسيّ، للبحث عن رفات يهود دفنوا في لبنان، بموجب “اتّفاق الإطار”. هذه الخطوة، الأشبه بـ”تنفيسة”، متزامنةً مع الإعلان الإسرائيليّ لـ”السيطرة العمليّاتيّة” على مرتفعات عليّ الطاهر، لا تدلّ بالضرورة على إعادة تحريك مياه المفاوضات الراكدة، حتّى لو تمّ تحديد موعد الجولة الثامنة في النصف الثاني من أيلول الجاري، بل تبدو كمحاولة أميركيّة لمنع انهيار مسار التفاوض المباشر، ودعم استمراره.
نصّت المادّة 13 من اتّفاق الإطار على “اتّخاذ إسرائيل ولبنان إجراءات بحسن نيّة تعكس نيّات إيجابيّة، بما في ذلك وقف جميع الأعمال العدائيّة أو السلبيّة في المحافل السياسيّة أو القانونيّة الدوليّة، والتعهّد بالعمل من أجل البحث عن الرفات وإعادتها، والإفراج عن المحتجزين، وذلك انسجاماً مع هدفهما المشترك المتمثّل في إقامة علاقات مستقرّة وسلميّة”.
هذه المادّة التي كانت الأكثر إثارة للجدل في الاتّفاق بسبب تنازل لبنان عن حقّه بمقاضاة إسرائيل عن جميع جرائمها، فتحت الباب أمام أوّل خطوة عملانيّة تقدم عليها إسرائيل منذ إعلان الاتّفاق في 26 حزيران.
بنظر مصادر عسكريّة “المنطقة التجريبيّة الأولى (فرون – صريفا – زوطر الغربيّة) لم تكن خطوة عسكريّة إسرائيليّة أولى، في سياق تطبيق الاتّفاق، بقدر ما شكّلت مناورة، وهي مستمرّة، لا تتلاءم مع المطلوب من مسار المناطق التجريبيّة، أي بدء الانسحاب التدريجيّ للجيش الإسرائيليّ من البلدات المحتلّة جنوب لبنان”.
إسرائيل ترفض تحديد عدد الأسرى
على أهميّة الإفراج عن أيّ أسير في سجون العدوّ، منحت إسرائيل لبنان مجدّداً ورقة “النيّة الإيجابيّة” من كيسه. حتّى رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو اعترف بأنّه “لا لزوم لبقاء هؤلاء الأسرى لدينا”، بعدما ثبت عدم انتمائهم لـ”الحزب”.
الأهمّ، ترفض إسرائيل بشكل قاطع تحديد عدد الأسرى اللبنانيّين لديها، وهذا ما تبدّى في جولة المفاوضات الأخيرة في روما. الأسرى المحرّرون، بين يومَي الخميس والجمعة، ليسوا مدرجين على اللوائح الرسميّة المُقدّمة من لبنان للجانب الإسرائيليّ.
في المقابل، التزم لبنان بموجب الاتّفاق البحث عن رفاة يهود وتسليمها لإسرائيل، في ظلّ تخوّف سياسيّ كبير من أن تُشكّل ورقة الرفاة تعطيلاً لأيّ تقدّم محتمل في سياق تطبيق اتّفاق الإطار، خصوصاً لجهة المناطق التجريبيّة، فيما كان لافتاً جدّاً تأكيد مكتب نتنياهو أنّ “لبنان وإسرائيل بذلا في الأشهر الماضية جهوداً لتحديد مكان الرفات شملت عمليّات على الأرض”.
وفق المعلومات، لم يتبلّغ لبنان أيّ معطى بخصوص دفعة جديدة من الأسرى، فيما أسماء الدفعة الأولى لا يمكن توصيفهم قانوناً بأسرى حرب، بل محتجزون مدنيّون، كما أنّ إسرائيل بادرت بالتزامن مع تسليم المواطن مالك غازي إلى اختطاف ثلاثة لبنانيّين في مزرعة حلتا الحدوديّة.
بين الأسرى وعليّ الطّاهر
بمطلق الأحوال، لا يمكن فصل هذا التطوّر عن الإعلان الإسرائيليّ لـ”السيطرة العمليّاتيّة” على مرتفعات عليّ الطاهر، فوق الأرض وتحتها. هنا، وفق مصادر خبيرة، يجدر التوقّف عند المعطيات الآتية:
– مقابل إقدام إسرائيل على تحرير محتجزين لبنانيّين وسوريّين لديها كرّست واقعاً أمنيّاً يطيح باتّفاق الإطار نفسه، وذلك من خلال تأكيد وزير الدفاع الإسرائيليّ يسرائيل كاتس أمس أنّ “السيطرة على عليّ الطاهر تعزّز “المنطقة الأمنيّة” في الجنوب، وتشكّل استكمالاً لها”. هذا يعني مزيداً من القضم الإسرائيليّ المتدرّج لبلدات ومساحات جنوبيّة، خصوصاً عبر تأكيد كاتس أنّ “إسرائيل لن تنسحب من المنطقة الأمنيّة حتّى نزع سلاح “الحزب” في جميع أنحاء لبنان، وإزالة التهديدات عن سكّان الجليل، والسيطرة على عليّ الطاهر خطوة مهمّة نحو تحقيق هذا الهدف”.
– يَطرح هذا المسار الإسرائيليّ تساؤلات جدّيّة عن جدول أعمال جولة التفاوض الثامنة في روما، وجدول أعمالها، مع العلم أنّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة أكّدت في بيان لها “مواصلة تيسير الحوار بين إسرائيل ولبنان يوميّاً، ونتطلّع إلى الجولة القادمة م
المحادثات في روما، ونؤكّد التزامنا التنفيذ الكامل لاتّفاق الإطار الثلاثيّ”. هذا يعني أنّ أيّ منطقة تجريبيّة ثانية لن تكون ضمن المنطقة الأمنيّة، ولن تشمل بلدات محتلّة، في الوقت الذي يؤكّد فيه الأميركيّون والإسرائيليّون أنّ العمل في المنطقة التجريبيّة الثانية لم ينتهِ، وأمام الجيش اللبنانيّ مزيد من المهامّ لتأكيد سيطرته على هذه البقعة الجغرافيّة.
– مهّدت إسرائيل لإعلانها السيطرة على مرتفعات عليّ الطاهر باستهدافها مع محيطها الواسع وصولاً إلى مشارف النبطيّة المدينة، على مدى أكثر من ثلاثة أسابيع. لكنّ المؤكّد، بناء على التصريحات الإسرائيليّة نفسها، أنّ العمل الأمنيّ الإسرائيليّ لم ينتهِ بعد، مع “استمرار النشاط الرامي إلى تحييد البنى التحتيّة تحت الأرض. وبعد انتهاء النشاط سيعيد الجيش الإسرائيليّ الانتشار دفاعيّاً، وفقاً لتقويم الوضع”. كما أكّد كاتس أنّ “الجيش الإسرائيليّ دمّر أنفاقاً لـ”الحزب” في عليّ الطاهر، ويواصل تفكيك الأنفاق والانتشار للسيطرة على الموقع”، مع العلم أنّ نتنياهو سبق له أكّد أنّ “عليّ الطاهر لم تعد تشكّل تهديداً لنا”.
لماذا لم يسلّم “الحزب” عليّ الطّاهر للجيش؟
– لم يصدر حتّى الآن أيّ بيان عن الدائرة الإعلاميّة لـ”الحزب” في شأن هذه التطوّرات، لكن إذا ما تمّ الاستناد إلى التصريحات الإسرائيليّة فلم يعد هناك وجود يُذكر لـ”الحزب” في عليّ الطاهر ومحيطها، وداخل الأنفاق. وقد علّق نائب “الحزب” إيهاب حمادة أمس قائلاً: “سيطرة الإسرائيليّ على عليّ الطاهر ليست بكارثة في الواقع العسكريّ، كما أنّها ليست آخر المطاف، كما لم تنشر إسرائيل صوراً تؤكّد ادّعاءاتها”.
يُذكر في هذا السياق أنّ أوساط “الحزب” نفسها عمّمت أنّ “الحزب” منذ التزام الأخير وقف إطلاق النار، عمد إلى تأمين إخراج مقاتليه على دفعات من منطقة عليّ الطاهر ومن الأنفاق، وهذا يعني الكثير عسكريّاً لجهة عدم تأمين جبهة دفاعيّة عن التلّة، لينتهي الأمر بإعلان إسرائيل السيطرة عليها، بعدما رفض “الحزب” علناً تسليمها للجيش اللبنانيّ.
لذلك يُطرح السؤال: بعدما تولّت إسرائيل هذه المهمّة، عقب جولات من الاستهداف والتفجيرات هي الكبرى والأشنع منذ “الحرب”، هل تكون بوارد تسليمها للجيش اللبنانيّ، من ضمن ما يُعرف بالمناطق التجريبيّة؟
مصادر مطّلعة تؤكّد أنّ “هذا الأمر غير وارد لدى الإسرائيليّين، وهذا الأمر لن يكون وارداً لدى الجيش اللبنانيّ إذا كان دخوله سيكون تحت الإشراف الإسرائيليّ المباشر، والتنسيق المباشر معه. وفق المسار القائم، تحاول إسرائيل توسيع المنطقة الأمنيّة، وتربط أيّ خطوة في إطار الانسحاب بخطوات كبيرة ومحدّدة من الدولة والجيش في ما يتعلّق بنزع السلاح”.
ملاك عقيل