التفاهم الأميركي الإيراني: ليس السؤال من انتصر… بل ماذا تعلّمنا؟

بقلم دافيد عيسى
بعد سنوات طويلة من التوترات المتصاعدة والتهديدات المتبادلة والعقوبات الاقتصادية والعمليات العسكرية غير المباشرة، عاد الحوار بين الولايات المتحدة وإيران ليفرض نفسه باعتباره الخيار الأقل كلفة.
وفي لحظات التحول الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، يصبح التمييز بين الوقائع والرغبات ضرورة سياسية وفكرية.
ومن هذا المنطلق، يستدعي التفاهم الأميركي – الإيراني قراءة تتجاوز منطق الرابح والخاسر نحو فهم المصالح وموازين القوى التي تحكم سلوك الدول وتحدد خياراتها.
لقد أثبتت التجربة أن العلاقة بين واشنطن وطهران كانت، على مدى أكثر من أربعة عقود، مزيجاً من الخصومة السياسية والتوتر الأمني والعقوبات الاقتصادية والصراعات غير المباشرة. ومع ذلك، لم تنقطع قنوات التواصل بين الطرفين، لأن الدول، مهما بلغت حدة خلافاتها، تبقى محكومة بمنطق المصالح أكثر من أي اعتبارات أخرى.
وفي هذا السياق، جاء التفاهم الأخير نتيجة مسار طويل من الاتصالات والمفاوضات والوساطات التي هدفت إلى احتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وتنبع أهمية هذا المسار من كونه لا يقتصر على الملف النووي الإيراني فحسب، بل يمتد إلى ملفات العقوبات والأمن الإقليمي وحرية الملاحة والعمليات العسكرية غير المباشرة، ما يجعله إطاراً أوسع لإدارة العلاقة بين الطرفين خلال المرحلة المقبلة.
ويعكس هذا التفاهم إدراكاً متبادلاً لدى واشنطن وطهران بأن كلفة المواجهة الشاملة أصبحت أعلى بكثير من كلفة إدارة الخلافات.
فالولايات المتحدة تسعى إلى تجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط في ظل أولويات دولية متزايدة وتعقيدات استراتيجية متشعبة، فيما تبحث إيران عن تخفيف الضغوط الاقتصادية واستعادة جزء من أموالها المجمدة وتحسين ظروفها واوضاعها الداخلية في مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية متفاقمة.
ومن هنا، تبدو هذه التفاهمات أقرب إلى إعادة تنظيم للتوازنات القائمة منها إلى تسوية نهائية للخلافات.
فالتباينات الجوهرية بين الطرفين لا تزال قائمة، إلا أن إدارة الصراع باتت، في هذه المرحلة، أكثر واقعية.
غير أن أهمية هذا المسار لا تقتصر على طرفيه المباشرين.
فالشرق الأوسط لم يعد ساحة تتحكم بمصائرها قوتان فقط، بل أصبح مساحة لتقاطع مصالح وأدوار قوى إقليمية ودولية متعددة، من بينها دول الخليج وتركيا وإسرائيل، إضافة إلى الحضور الروسي والصيني المتنامي.
ولذلك فإن أي تفاهم أميركي – إيراني لن يكون العامل الوحيد في رسم مستقبل المنطقة، وإن كان من أبرز العوامل المؤثرة في اتجاهاتها السياسية والأمنية.
كما تبرز أهمية هذا التفاهم في بعديه الاقتصادي والاستراتيجي.
فالبنود المرتبطة بالعقوبات وتصدير النفط الإيراني والأصول المالية المجمدة تشير إلى أن الهدف لا يقتصر على تجنب المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى إعادة إدماج إيران تدريجياً في الدورة الاقتصادية العالمية.
كذلك فإن التفاهمات المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز تمنحه بعداً دولياً يتجاوز حدود العلاقة الثنائية، نظراً للدور الحيوي الذي يلعبه المضيق في حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.
ومع ذلك، يبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات إلى خطوات عملية ومستدامة، ولا سيما في ساحات النفوذ الإقليمي الممتدة من الخليج إلى بلاد الشام.
فالمعيار الحقيقي لنجاح أي اتفاق لا يكمن في توقيعه أو الإعلان عنه، بل في قدرته على خفض مستويات التوتر واحتواء الصراعات والحد من الحروب بالوكالة التي استنزفت شعوب المنطقة واقتصاداتها.
كما أن استدامة هذا المسار ليست أمراً مضموناً.
فالتجارب السابقة بين واشنطن وطهران أثبتت أن أي تفاهم يبقى عرضة للاهتزاز متى تبدلت الظروف السياسية أو تعارضت مصالحه مع حسابات القوى المؤثرة داخلياً وإقليمياً.
ولهذا فإن التفاؤل يبقى مشروعاً، لكن الحذر يبقى أكثر واقعية.
وفي المقابل، لا توحي هذه التفاهمات بأن إيران تتجه إلى الانسحاب من المنطقة أو التخلي عن نفوذها الإقليمي، بل يبدو أنها تسعى إلى تنظيم هذا النفوذ ضمن قواعد جديدة تقلل احتمالات المواجهة المباشرة وتسمح لها بالحفاظ على مكتسباتها السياسية والأمنية.
ولذلك قد نكون أمام انتقال تدريجي من مرحلة الصراع المفتوح إلى مرحلة إدارة النفوذ والتوازنات.
أما لبنان، الذي كان دائماً من أكثر الدول تأثراً بالتحولات الإقليمية، فيقف اليوم أمام فرصة لالتقاط أنفاسه بعد سنوات من الأزمات المتراكمة والانهيارات السياسية والاقتصادية والمالية.
فمن الطبيعي أن ينعكس أي تراجع في مستوى التوتر بين واشنطن وطهران على الساحة اللبنانية، سواء عبر تخفيف الضغوط السياسية والأمنية أو من خلال توفير مناخ أكثر ملاءمة لعمل المؤسسات الدستورية وإعادة تنشيط الحياة الاقتصادية.
كما قد يسهم هذا المناخ في استعادة جزء من الثقة الدولية بلبنان ويفتح المجال أمام الاستثمار والسياحة والدعم الخارجي، لكنه في الوقت نفسه لا يشكل بديلاً عن الإصلاحات التي يحتاجها اللبنانيون للخروج من أزماتهم المتراكمة.
وفي هذا الإطار، يفتح أي تفاهم أميركي – إيراني باب النقاش حول موقع ودور حزب الله في المرحلة المقبلة.
فمن الطبيعي أن تؤدي أي تهدئة إقليمية مستدامة إلى إعادة طرح ملف الاستراتيجية الدفاعية والعلاقة بين دور حزب الله العسكري ودور الدولة ومؤسساتها الشرعية.
غير أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن يتم بمنطق القوة، بل من خلال حوار وطني مسؤول يهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وترسيخ سيادتها على كامل أراضيها.
فحصرية السلاح بيد الدولة تبقى هدفاً وطنياً مشروعاً، إلا أن تحقيقه يتطلب توافقاً وضمانات متبادلة تحفظ الاستقرار الداخلي وتعزز الوحدة الوطنية.
وفي الوقت نفسه، تبقى الاستفادة من أي مناخ إقليمي أكثر هدوءاً مرتبطة بقدرة اللبنانيين على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة وإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون.
فالمجتمع الدولي قد يفتح الأبواب أمام لبنان، لكنه لا يستطيع أن يبني الدولة نيابة عن اللبنانيين.
ولعل أبرز ما تكشفه هذه التجربة هو أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف ولا بالشعارات، بل بحسابات المصالح والكلفة والعائد.
كما تؤكد أن الخصومة لا تلغي إمكان التفاوض، وأن الصراعات الطويلة قد تنتهي إلى تفاهمات عندما تدرك الأطراف أن كلفة المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التسوية.
وفي عالم تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه الأولويات بسرعة، تبدو البراغماتية السياسية أكثر حضوراً من الشعارات الأيديولوجية، ويصبح الحوار، مهما كان صعباً، أقل كلفة من الحروب المفتوحة.
وفي الختام، قد يختلف المراقبون حول الجهة التي حققت مكاسب أكبر من هذا التفاهم، لكن المؤكد أن السياسة الدولية لا تُقاس بمنطق المنتصر والمهزوم، بقدر ما تُقاس بقدرة الدول على حماية مصالحها وتجنب كلفة الصراعات وإدارة التحديات بأقل الخسائر الممكنة.
وبعد كل حرب أو أزمة، ينشغل الجميع بالسؤال التقليدي: من انتصر ومن انهزم؟ لكن ربما آن الأوان لطرح السؤال الأهم والأكثر فائدة: ماذا تعلّمنا؟
دافيد عيسى