الحرب التي لم تُنهِ الحروب

بقلم محمد السماك

«أساس ميديا»

عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها في الحادي عشر من تشرين الثاني 1918 أبلغ رئيس الحكومة البريطانية آنذاك دافيد لويد جورج البرلمان البريطاني خلاصته قائلاً: “نستطيع الآن أن نقول إنّ الحرب أنهت كل الحروب”. لكن التاريخ أثبت أنّه كان على خطأ.

لم تمرّ سوى سنوات قليلة حتى انفجرت الحرب العالمية الثانية، تبعتها الحرب الكورية، ثم حرب فيتنام وأزمة كوبا التي وضعت العالم على شفير حرب نووية. اليوم تتواصل الحرب بين روسيا وحلف شمال الأطلسي فوق الأرض الأوكرانية تحت شعار “العملية العسكرية المحدودة” والتي أودت حتى الآن بعشرات الآلاف من الضحايا من الجانبين الروسي والأوكراني.

لم تسلم أفريقيا من حروب بينية. وعرفت أميركا اللاتينية المسرحية الحربية في فنزويلا حيث لا يزال رئيسها السابق نيكولاس مادورو قابعاً في أحد سجون نيويورك بانتظار محاكمة أمام العدالة “الترامبية”.

حروب تعيد العالم إلى الوراء

قبل الحرب الإسرائيلية على غزة وعلى لبنان، والحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران، كان عدد ضحايا الحروب في العالم لا يزيد على قتيل واحد مقابل كل مائة ألف انسان. استمرت هذه النسبة المنخفضة من الضحايا حتى عام 2000. بين عامي 1950 و2000 قُتل سُدس هذا العدد. وبين عامي 1900 و1950 انخفض عدد القتلى إلى الخُمس.

كانت لإسرائيل حصّة كبيرة من عملية إثبات عدم صحّة عبارة دافيد لويد جورج. فمن الحرب على غزة إلى الحرب على إيران وامتداداً إلى الحرب على لبنان… والآن الاستعداد للحرب على تركيا على خلفية الموقف من سوريا. لا تزال فصول تلك الحروب تتوالى بانتظار حادث ما يثبّت بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية بدلاً من إدانته وزجّه في السجن بتهمة الفساد والرشوة. أن يكون هو بكل حرب إسرائيلية مستمرة ومتنقلة، خيرٌ له من أن يكون سجيناً في وقت تنعم فيه المنطقة بالسلام والاستقرار.

تعمل الآن مراكز الدراسات على إحصاء عدد ضحايا الحروب الساخنة من لبنان إلى فنزويلا، ومن فلسطين المحتلة إلى إيران، بعد انخفاضها من العام 2000. ويعود ذلك إلى الخوف من احتمال الانجرار إلى استخدام السلاح النووي. “فالخوف” هو الذي يحول حتى الآن دون استخدام السلاح النووي، سواء في الحرب الروسية – الأوكرانية رغم التهديدات والتهديدات المعاكسة، ورغم مرور أكثر من أربع سنوات على “العملية العسكرية” في أوكرانيا، كما يسميها الكرملين، أو في الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، رغم التهديدات الأميركية والإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة الموجهة إلى إيران بقصف مفاعلاتها النووية.

استنزاف عسكري وتضخم الخسائر البشرية

استنزفت الحرب الأوكرانية كثيراً من القدرات العسكرية الروسية، حتى أصبحت موسكو ذاتها مسرحاً لقصف الطيران الأوكراني المسيّر. استنزفت الحرب الأميركية– الإيرانية القدرات العسكرية الأميركية حتى أصبحت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب تتناقض مع تحشداته العسكرية في منطقة الخليج العربي، رغم أنّ وجود ثلاث حاملات طائرات في الخليج وبحر العرب لم يحسم الموقف عسكرياً أو يعيد فتح مضيق هرمز أمام حرية الملاحة الدولية.

لا يوجد إحصاء رسمي حول عدد ضحايا الحروب التي عصفت بالعالم من هيروشيما وناكازاكي حيث أسقطت الولايات المتحدة في نهاية الحرب العالمية الثانية قنبلتين نوويتين على المدينتين اليابانيتين… إلى ساحة فردان شمال فرنسا حيث سقط مئات الآلاف من الجنود الألمان والفرنسيين في الحرب العالمية الأولى مما حوّل المنطقة إلى مقبرة مشتركة للإثنين معاً.

قد يمرّ وقت طويل قبل معرفة عدد ضحايا الحروب الإسرائيلية على غزة، وهي حروب متواصلة حتى اليوم. ويحتاج العالم إلى دراسات إحصائية عديدة لمعرفة عدد ضحايا الحروب البينية–الداخلية- المشتعلة اليوم في السودان وليبيا، وقبل ذلك في أفغانستان، وفي العديد من الدول الأفريقية.

الحرب تستدعي حرباً

أثبتت الوقائع أنّ الحروب ليست أداة لمعالجة الخلافات، ولحلّ الصراعات بين الدول. وأثبتت الوقائع أيضاً أنّ الإنسان ميّال بطبيعته إلى اللجوء إلى الحرب لفرض الحلّ المناسب لمصالحه وطموحاته.

هذا ما يفعله نتنياهو في الشرق الأوسط (سوريا – لبنان – فلسطين وحتى إيران)، وهو ما يتطلّع اليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا والرئيس ترامب في فنزويلا، والرئيس الصيني شي جين بينغ في تايوان… وفي افريقيا حدّث ولا حرج، بما في ذلك الدول العربية في الشمال الأفريقي حيث “تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى”.

في الحسابات الأخيرة أثبتت الوقائع التاريخية ليس فقط خطأ الاعتقاد بأنّ ثمة حرباً تنهي كل الحروب، ولكنها أثبتت أنّ كل حرب هي في الحسابات الأخيرة استدراج لحرب ثانية. والواقع اللبناني يشهد على ذلك.

محمد السماك