زلزال في الصناديق الأميركية… متى دور لبنان؟

بقلم دافيد عيسى

سياسي لبناني

رغم ما تشهده الولايات المتحدة الأميركية من انقسامات سياسية، تظل الديمقراطية فيها مبدأً راسخاً، قوامه أن الشعب هو مصدر السلطة وشرعيتها، وهو صاحب الحق الأصيل في مساءلة من يتولّونها ومحاسبتهم.

قبل نحو عامين، منح الأميركيون دونالد ترامب وحزبه فوزاً كاسحاً، لكنهم عادوا اليوم، عبر الانتخابات النصفية لمجلسَي الشيوخ والنواب، لمحاسبتهما في صناديق الاقتراع، وتوجيه رسالة واضحة مفادها أن الثقة الشعبية التي منحناها اياكم في الانتخابات الرئاسية الماضية ليست تفويضاً مفتوحاً، بل هي ثقة مشروطة ومؤقتة، وأن الناخب وحده يمتلك حق تجديدها أو سحبها.

هكذا تؤكد الديمقراطية أن السلطة ليست ملكية خاصة، ولا إرثاً شخصياً أو عائلياً، بل مسؤولية ترتبط بثقة الشعب ومحاسبته.

أما في لبنان، فالمشهد مختلف تماماً.

شعبٌ يعارض ويحتجّ ويتذمّر، ويهدّد بالويل والثبور وعظائم الأمور على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن ما إن تحين ساعة الانتخابات حتى يتحوّل الشخص نفسه إلى إنسان مطواع، عندما تُشترى ذمّته.

وهناك من يفضّل عدم إزعاج نفسه بالمشاركة، تحت شعار «اليوم هو يوم فرصة»، فيما يعود البقية إلى انتخاب من أوصلهم إلى جهنّم.

ثم نعود ونسأل: لماذا لم يتغيّر شيء؟

متى يستفيق الشعب اللبناني من هذه الغيبوبة السياسية؟ ومتى يدرك أن التغيير لا تصنعه الشعارات ولا الغضب الافتراضي، بل المواقف والقرارات التي تُترجم في صناديق الاقتراع؟

لم يكن لبنان يوماً بلداً عادياً في محيطه، بل شكّل لعقود منارةً للمنطقة ونموذجاً في الحياة والاقتصاد والانفتاح.

أما اليوم، فقد تحوّل إلى بلد يُصارع أبناؤه من أجل أبسط حقوقهم ومقومات عيشهم الكريم.

مواطنون يُجبرون على دفع فاتورة الكهرباء والماء مرتين، ومرضى يواجهون الموت على أبواب المستشفيات لأنهم عاجزون عن تحمّل كلفة العلاج، وشباب تُهجّرهم الأزمات وتدفعهم إلى مغادرة وطنهم بحثاً عن فرصة عمل أو بصيص أمل بمستقبل أفضل.

وموظفون لم تعد رواتبهم تكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، ومتقاعدون تبخّرت مدّخرات عمرهم وتعويضاتهم بفعل الانهيار المالي.

اقتصاد يترنّح، ومؤسسات تتآكل، وخدمات عامة تتدهور، وأزمات تتفاقم، فيما يستمر الواقع على حاله وكأن شيئاً لا يستدعي التغيير.

وسط هذا المشهد، يبرز السؤال الأهم: من يمتلك الشجاعة والإرادة في هذا الشعب ليقول «كفى»؟ أليس التغيير الحقيقي يبدأ بقرارنا، نحن الناخبين، بأن نُحدثه عبر صناديق الاقتراع يوم الانتخابات؟

ليس المطلوب أن نبحث عن شماعة نعلّق عليها كل أزماتنا، بل أن نمتلك الجرأة لمواجهة الحقيقة وتحديد المسؤوليات بصدق.

فالمسؤولية السياسية لا تسقط بالتقادم، والثقة الشعبية ليست صك ملكية دائم، والمناصب العامة ليست امتيازات شخصية، بل مسؤوليات تستوجب المحاسبة.

والأكثر إيلاماً أن شريحة من اللبنانيين لا تزال رهينة الولاءات الحزبية والشخصية الضيقة، فتمنح أصواتها لأشخاص لمجرد انتمائهم إلى الحزب نفسه أو ارتباطهم بدائرة المحاسيب

والأزلام، متجاهلةً التساؤلات المشروعة حول أدائهم وإنجازاتهم، ومدى نزاهتهم ونظافة كفّهم.

وهنا يبرز سؤال جوهري لا بد من طرحه: إلى متى سنظل نسمح للانتماء الحزبي بأن يتقدّم على الولاء للوطن، وللمحسوبيات والمصالح الضيّقة بأن تتغلّب على المصلحة العامة وحق أبنائنا في مستقبل أفضل؟

ثم لنسأل أنفسنا بصراحة: هل يستطيع المنتسب إلى حزب أن يناقش رئيس حزبه ويعارضه عندما لا يقتنع بموقف أو قرار يتخذه؟ وهل يملك الجرأة على مصارحته برأيه المخالف؟ والأهم من ذلك، هل يستطيع الوصول إليه في حال اراد مقابلته؟

كيف نرفع شعارات التغيير ليل نهار، ونملأ مواقع التواصل الاجتماعي بالاعتراض والانتقاد والتذمّر، ثم نعود لنكرّر الخيارات نفسها، وكأننا لم نتعلّم شيئاً من تجاربنا السابقة؟

ألم يحن الوقت لمراجعة أخطائنا واستخلاص العِبر منها؟ وإلى متى سنظل نعيد التجربة ذاتها، ونسمح لأنفسنا بأن نُلدغ من الجحر نفسه مراراً وليس مرتين؟

الديمقراطية لا تعني أن تنتخب ثم تصمت، بل أن تراقب وتحاسب وتُقيّم الأداء.

ومن لم يثبت أهليته للمنصب الذي أوصله إليه صوتك، فلا يستحق أن تجدّد له ثقتك في الاستحقاق الانتخابي المقبل.

المطلوب ثورة في الوعي، وانتفاضة في التفكير، وقرار شعبي بأن يحلّ زمن المحاسبة مكان زمن التبعية.

نريد مواطناً يختار على أساس الكفاءة والنزاهة، لا على أساس الانتماء الحزبي أو المصلحة الآنية.

نريد دولة لا مزرعة، ومؤسسات لا واجهات، وقانوناً يُطبّق على الجميع دون استثناء.

أيها اللبنانيون،

كم من أزمة أخرى نحتاج حتى ندرك أن استمرار النهج نفسه لن يصنع مستقبلاً مختلفاً؟ وكم من شاب يجب أن يهاجر، وكم من عائلة يجب أن تعجز عن تأمين أبسط احتياجاتها، وكم من حلم يجب أن يُدفن حتى نقرر أن مصلحة لبنان أكبر من كل الولاءات؟

إن الوطن لا يُنقذ بالحنين إلى الماضي، ولا بالشعارات الرنانة، ولا بتبادل الاتهامات إلى ما لا نهاية، بل عندما يقرر أبناؤه أن يكونوا مواطنين قبل أن يكونوا أتباعاً، وأن تكون كرامتهم فوق كل اعتبار، وأن يكون صوتهم ملكاً لمستقبلهم، لا ورقة في يد أحد.

لبنان يحتاج إلى عقلية جديدة، لا إلى تبديل الوجوه فقط، بل إلى تغيير ثقافة سياسية كاملة، تقوم على المحاسبة والكفاءة واحترام الإنسان.

فإذا كان الشعب الأميركي قادراً على محاسبة رئيسه وحزبه عبر صناديق الاقتراع، فما الذي يمنع الشعب اللبناني من ممارسة حقه الديمقراطي والدستوري في محاسبة ممثليه والتغيير في مجلس النواب؟

إلى متى سنبقى ننتظر أن يتغيّر الواقع من تلقاء نفسه؟

فالتاريخ لا يسأل فقط عمّن حكم البلاد، بل يسأل أيضاً عمّن امتلك فرصة التغيير ولم يستخدم صوته.

لبنان يستحق أفضل من هذا الواقع… وأبناؤه يستحقون مستقبلاً يليق بهم.

دافيد عيسى