مهما اشتدت العداوة، وهي شديدة. ومهما تعاظمت الفروقات، وهي كذلك. ومهما أُريق من الدماء، وقد سالت أنهاراً… لا يمكن لعقل بشري (دعك من القيَم الإنسانية والأخلاق والمبادئ والقوانين والأنظمة…) أن يتقبل ما طلع به وزير الأمن القومي في حكومة الكيان الصهيوني إيتمار بنغفير، تعقيباً على المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال في غزة. ولولا الإثبات والتوثيق بالصوت والصورة لقلنا إن الكلام المنسوب إليه هو مجرد «تركيبة». ليس لأنه معروف بلطفه وإنسانيته وكريم أخلاقه، وهو ليس فيه شيء من تلك كلها على الإطلاق، إنما لأن تصريحه الأخير لا يصدر عن أي بني آدم.
هذا الوحش الآتي من أدغال الحقد والكراهية في أبشع وأحط دراجاتهما قال بوجوب قتل ما بين ثلاثين وأربعين فلسطينياً مدنياً، كل يوم، في غزة. (لاحظ كلمة «مدنياً»)، ليضيف: فهؤلاء لا يستحقون الحياة لأنهم ليسوا بشراً! أمّا أنت فبشري أيها المجرم السفاح، أليس كذلك؟!.
طبعاً، أثارت هذه الكلمات ذعراً في العالم كله، ولا سيما في أوروبا، ليس خوفاً من هذا الوحش الفالت، إنما من أن يكون في المسؤولية مَن يذهب الى مثل هذا الإنحطاط والهمجية! وكانت التعقيبات شديدة اللهجة في الاستنكار والإدانة، وتحديداً من قِبَل حكومتَي فرنسا وألمانيا الى دول كثيرة سواهما.
ويتوافق كلام بنغفير مع استئناف نتنياهو حرب الإبادة على غزة، في وقت تؤكد حركة حماس على قرارها الالتزام بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في غزة، والتي حظيت بتأييد ودعم عشرات الدول في مشارق الأرض ومغاربها، والتي التزمت غزة وقطاعها بمفاعيلها الى حد كبير، لكن الاحتلال لم يطبقها يوماً واحداً.
ويأتي التصعيد وارتكاب المجازر في غزة تزامناً مع اشتداد المنافسة على انتخابات الكنيست بين مختلف الأفرقاء في فلسطين المحتلة، ولا سيما بين نتنياهو ومنافسيه، في سعي كل طرف الى الحصول على ائتلافٍ ما، فيمكنه من أكثرية تخول فريقه الفوز برئاسة الحكومة.
ومع أننا لا نريد فتح الجروحات المزمنة، إلا أننا لا نستطيع تجاوز السؤال الآتي: أين الدول العربية والإسلامية ممّا يجري في غزة (ولسنا ننسى لبنان).
يحز في القلب أننا نعرف الجواب سلفاً؟! . وهل نزعج كثيرين إذا انتقلتا الى السؤال الآخر الذي تعلق كلماته في الحلق وهو: أمام هذه المأساة المتفاقمة، من دون فتح الباب أمام الاجتهادات العديدة والتفسيرات المعدّة سلفاً، ألا يستأهل هذا الواقع المؤلم المترجَم إبادةً وهدماً وتدميراً في غزة، أقله، استدعاء سفراء الكيان المحتل، للإبلاغ إليهم، في أقل تقدير، رسالة احتجاج؟!.