فلسطين على الشّاشة… “التمويل” يُكمل تقسيمها بين غزّة والضّفّة

بقلم جوزفين ديب
«أساس ميديا»
في نيويورك، حاول لبنان وسوريا استعادة موقع الدولة في عالم يعيد ترتيب المنطقة. حمل رئيس الحكومة نوّاف سلام موقف لبنان إلى طاولة رؤساء العالم، ووضع الرئيس السوريّ أحمد الشرع قضيّة الأرض السوريّة إلى جانب الحاجة إلى المال والاستثمار وإعادة الإعمار. أمّا فلسطين فظهرت في مشهدين متناقضين: الرئيس محمود عبّاس يتحدّث أمام الجمعيّة العامّة عبر شاشة بعدما منعته واشنطن وأعضاء الوفد الفلسطينيّ من الحصول على تأشيرات دخول، ورئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو يقف على المنبر نفسه بينما يغادر عشرات الوفود القاعة احتجاجاً.
خارج مبنى الأمم المتّحدة اكتمل المشهد. فقد شهدت مدينة نيويورك تظاهرات لافتة ضدّ زيارة نتنياهو والحرب على غزّة، وامتدّت الاحتجاجات من محيط مقرّ المنظّمة إلى مسيرات شارك فيها الآلاف. بدت فلسطين حاضرة في الشارع وفي المقاعد التي أُخليت داخل القاعة، فيما بقي رئيسها بعيداً عن نيويورك.
اختصرت المأزق الفلسطينيّ الصور: دولة تحظى باعتراف دوليّ متزايد، لكنّ رئيسها يُمنع من الوصول إلى المنبر الدوليّ، بينما يجري البحث في مستقبل غزّة من دون ضمان أن تكون الدولة الفلسطينيّة هي المرجعيّة النهائيّة لهذا المستقبل.
لم يكن منع التأشيرات إجراءً بروتوكوليّاً. فقد ربطته واشنطن، من بين أسباب أخرى، بلجوء الفلسطينيّين إلى المحاكم والهيئات الدوليّة و”تدويل” الصراع. بدا الفلسطينيّ معاقَباً على استخدام الأدوات التي يتيحها له النظام الدوليّ نفسه. إلّا أنّ المسافة بين رام الله ونيويورك لم تكن الأخطر في خطاب عبّاس. كان الرئيس الفلسطينيّ يحذّر من مسافة يجري تكريسها داخل فلسطين نفسها بين غزّة والضفّة.
هذه المسافة لا تُرسم بالسياسة والأمن فقط. وبالتوازي مع النقاش حول إدارة غزّة، تتشكّل للقطاع آليّات تمويل ودفع وإعمار قد تعمل خارج المؤسّسات الفلسطينيّة. بذلك يصبح السؤال عن إدارة المال جزءاً من السؤال عن وحدة الأرض والقرار: هل تعود غزّة إلى دولة فلسطين أم تدخل مرحلة انتقاليّة تنتهي بها إلى نظام سياسيّ وماليّ منفصل؟
غزّة والضّفّة: دولة واحدة أم مساران؟
قال عباس إنّ ما يجري في غزّة والضفّة، بما فيها القدس الشرقيّة، ليس أحداثاً منفصلة، بل جزء من مشروع واحد يدفع الفلسطينيّين إلى الرحيل. وحدّد للمرحلة الانتقاليّة في القطاع نهاية سياسيّة واضحة: إعادة توحيد غزّة والضفّة تحت سلطة دولة فلسطين، وفق قاعدة “دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعيّ واحد”.
لم يغلق عبّاس الباب أمام الترتيبات الانتقاليّة أو أمام الدور الذي يُراد لـ”مجلس السلام” في غزّة أن يؤدّيه. لكنّه حاول أن يرسم لها سقفاً: أن تكون جسراً إلى عودة غزّة إلى المؤسّسات الفلسطينيّة، لا مرحلة تؤسّس لإخراج القطاع منها. فالسؤال لم يعد فقط من يدير غزّة في اليوم التالي، بل إلى أين تنتهي هذه الإدارة، ولمن تسلّم الأرض والمؤسّسات والمال؟
يبدو الخطر واضحاً في أن يتقدّم الاعتراف السياسيّ بالدولة الفلسطينيّة في الخارج، بالتوازي مع تفكيك مقوّماتها في الداخل. وإذا أصبحت للقطاع إدارة أمنيّة واقتصاديّة وماليّة منفصلة، فقد تجد فلسطين نفسها أمام اعتراف دوليّ بدولة لا تملك وحدة القرار على أرضها.
يحيى الشّنّار… محافظ النّقد في مواجهة فصل غزّة
في العاصمة الأردنيّة عمّان، حيث ناقش مؤتمر اتّحاد المصارف العربيّة الملفّات الماليّة لسوريا والمنطقة، وقف محافظ سلطة النقد الفلسطينيّة يحيى الشنّار متحدّثاً بلغة الأرقام. خلف الأموال المنهوبة من مصارف غزّة، وتكدّس الشيكل في مصارف الضفّة، وانتشار المحافظ الإلكترونيّة، ظهرت معركة سياسيّة عنوانها الحفاظ على وحدة النظام الماليّ الفلسطينيّ، ومنع تحوّل الانقسام القائم إلى فصل مؤسّساتيّ دائم.
بينما تُحاصَر السلطة ماليّاً في الضفّة، تُناقَش لغزّة آليّات دفع وتمويل وإعمار قد تعمل خارج سلطة النقد الفلسطينيّة. وهنا يبدأ فصل أقلّ ظهوراً من الفصل الجغرافيّ، لكنّه أكثر قدرة على التحوّل إلى واقع يصعب تغييره.
يدير الشنّار سلطة نقديّة لا تملك عملة وطنيّة، ولا تتحكّم بالحدود التي يدخل منها النقد أو بالقنوات التي تصل المصارف الفلسطينيّة بالعالم. ومع ذلك، بقي القطاع المصرفيّ من المؤسّسات القليلة التي تعاملت مع غزّة والضفّة بوصفهما جزءين من دورة واحدة: المصارف والرقابة وأنظمة الدفع والتحويل نفسها.
هذا الرابط بات مهدّداً. ففي غزّة، تعرّضت موجودات المصارف للنهب والمصادرة، وتعطّلت الفروع، ومُنع إدخال النقد. وفي الضفّة، تكدّس الشيكل داخل المصارف بفعل القيود الإسرائيليّة، فيما بقيت العلاقة مع المصارف المراسلة خاضعة لقرارات مؤقتة. يختلف شكل الضغط بين المنطقتين، إلّا أنّ النتيجة واحدة: إضعاف قدرة الفلسطينيّين على إدارة أموالهم ضمن نظام وطنيّ موحّد.
وجد الشنّار نفسه أمام معادلة تتجاوز العمل المصرفيّ: تأمين وسيلة للفلسطينيّ في غزّة كي يتلقّى ماله ويشتري طعامه، من دون أن تتحوّل هذه الوسيلة إلى نواة نظام ماليّ منفصل، وحماية مصارف الضفّة من الاختناق، لأنّ انهيارها يضعف السلطة التي يُفترض أن تكون المرجعيّة السياسيّة والمؤسّساتيّة لغزّة والضفّة معاً.
أتاحت المحافظ الإلكترونيّة استمرار المساعدات والتحويلات في القطاع، إلّا أنّ الحلّ الطارئ يكتسب بعداً سياسيّاً عندما يقترن بالبحث في إنشاء عملة رقميّة مستقرّة مرتبطة بالدولار، وبناء آليّات ماليّة خاصّة بغزّة. فالمسألة ليست إن كانت وسيلة الدفع ورقيّة أو رقميّة، بل من يضع قواعدها ويراقب الحسابات، وأين تكون سلطة النقد الفلسطينيّة؟ فإذا أصبحت لغزّة وسائل دفع الأموال ومرجعيّتها الرقابيّة المنفصلتان، يكون الفصل السياسي قد استكمل بنيته الماليّة.
المال الفلسطينيّ يعود بلا الفلسطينيّين
تزداد خطورة المسار مع البحث الأميركيّ في إمكان تحويل جزء من أموال الضرائب الفلسطينيّة التي تحتجزها إسرائيل إلى “مجلس السلام” لتمويل خططه في غزّة. لم يتحوّل البحث إلى قرار معلن، لكنّه يطرح معادلة بالغة الدلالة: المال الفلسطينيّ الذي يُحجب عن السلطة في الضفّة قد يعود إلى غزّة عبر جسم لا تملك السلطة الفلسطينيّة القرار فيه.
عندها لا يجري نقل الأموال فقط، بل نقل المرجعيّة السياسيّة معها. فإعمار غزّة ليس مشروعاً هندسيّاً محايداً لأنّ الجهة التي تدير الأموال ستحدّد المشاريع والعقود والوظائف، وستشارك في رسم السلطة التي ستدير القطاع لاحقاً.
عليه، لا تبدو مهمّة الشنّار اليوم مهمّة محافظ مصرف مركزيّ بالمعنى التقليديّ. يحاول، بأدوات محدودة، حماية واحدة من آخر المؤسّسات التي لا تزال تتعامل مع غزّة والضفّة باعتبارهما وحدة واحدة. فالفصل لا يبدأ دائماً بإعلان سياسيّ، بل قد يبدأ من محفظة إلكترونيّة وحساب مصرفيّ وصندوق إعمار، ثمّ يتحوّل إلى واقع دائم.
جوزفين ديب