بقلم د. ابراهيم العرب
يشكّل إقرار مجلس النواب اللبناني لقانون الإعلام، بصيغته الصادرة عن اللجان النيابية المشتركة من دون أي تعديل، محطة تشريعية بالغة الدلالة في تاريخ التنظيم القانوني للحقل الإعلامي في لبنان؛ فالنص الذي جاء بعد عقود من الاجتهاد القضائي المتضارب وتشظّي المرجعيات القانونية بين قانون المطبوعات لعام 1962 وقانون الإعلام المرئي والمسموع لعام 1994 ونصوص متفرقة في قانون العقوبات، يطمح إلى توحيد المظلة التشريعية الناظمة لكافة أشكال الإعلام: المكتوب والمسموع والمرئي والإلكتروني، ضمن بنيان قانوني واحد ومتكامل ظاهرياً.
غير أن الفحص الدقيق لهذا النص، من منظور القانون العام وضمانات الحقوق والحريات الأساسية، يكشف عن معادلة مركّبة: فإلى جانب تحديثات بنيوية تُحسب للمشرّع وعليه، وفي مقدّمتها استحداث “الهيئة الوطنية للإعلام” كسلطة إدارية مستقلة، تبقى في متن القانون ثغرات جوهرية تمسّ ماهية الهيئة وصميم الضمانة الدستورية لحرية الرأي والتعبير المكرّسة في الفقرة “ج” من مقدمة الدستور اللبناني والمادة 13 منه. وتتمحور حول تحليل الازدواجية: الجهات المعنية بالتنظيم، والقصور الجوهري في حماية الممارسة الصحافية ذاتها.
أولاً: الإنجازات البنيوية للنص التشريعي
- توحيد الإطار الناظم وإدخال الإعلام الإلكتروني في دائرة التشريع
يُسجَّل للمشرّع اللبناني، بداية، سعيه إلى معالجة فراغ تشريعي طال أمده، يتمثّل في غياب أي نص ناظم للإعلام الإلكتروني بوصفه فضاءً إعلامياً قائماً بذاته. فالتمييز الذي أورده القانون بين المواقع الإعلامية المهنية وغير المهنية، وتكريسه مبدأ عدم إخضاع إنشاء المواقع والصفحات الإلكترونية لترخيص أو موافقة مسبقة، يتوافق من حيث المبدأ مع المعايير الدولية التي تحظر أي قيد مسبق (prior restraint) على حرية النشر الإلكتروني، بما في ذلك المعايير التي أرستها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في تعليقها العام رقم 34 على المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
بيد أن إخضاع المواقع “المهنية” لموجبات الإفصاح عن هوية المالك والمدير المسؤول وبيانات الاتصال، وإن بدا للوهلة الأولى إجراءً تنظيمياً محضاً يخدم مبدأ الشفافية ومساءلة المصدر، يفتح الباب أمام إشكالية تصنيفية جوهرية: من هي الجهة التي تملك سلطة التكييف بين موقع “مهني” وآخر “غير مهني”؟ وما هي المعايير الموضوعية التي تحكم هذا التمييز؟ ذلك أن غياب معايير دقيقة ومنضبطة لهذا التصنيف في متن النص يترك هامشاً واسعاً للسلطة التقديرية، وهو ما يتعارض مع مبدأ “الوضوح التشريعي” (legal certainty) الذي يشترطه الفقه الدستوري المقارن كشرط لصحة أي قيد على ممارسة حق أساسي.
- استحداث الهيئة الوطنية للإعلام: خطوة ناقصة
يمثّل استحداث الهيئة الوطنية للإعلام، بما تحمله من شخصية معنوية واستقلال مالي وإداري، توجه نحو نظام الرقابة المباشرة الذي كانت تمارسه وزارة الإعلام والمديريات التابعة لها؛ فمنح أعضاء الهيئة ضمانة ممارسة مهماتهم بمنأى عن أي سلطة أخرى، وحظر تعليق عمل الهيئة أو وقفها من قبل السلطة التنفيذية، يقترب من النموذج الأوروبي للهيئات التنظيمية المستقلة (Independent Regulatory Authorities)، على غرار المجلس الأعلى للسمعي البصري الفرنسي (CSA) سابقاً أو “أوفكوم” في المملكة المتحدة.
غير أن هذا التقدّم الشكلي يبقى مرهوناً بمسألتين جوهريتين لم يحسمهما النص بالوضوح الكافي: آلية تعيين أعضاء الهيئة ومدى تحصينها من التوازنات السياسية والطائفية التي عادة ما تحكم التعيينات في المؤسسات اللبنانية، وحدود الصلاحيات شبه القضائية الممنوحة للهيئة في اتخاذ التدابير التي قد تصل إلى حد إحالة المؤسسات المخالفة إلى القضاء، من دون أن يُحاط ذلك بضمانات إجرائية كافية تحول دون تحوّل الهيئة إلى أداة رقابية مقنّعة.
ثانياً: مواطن الخلل الجوهرية في بنية النص
- المادة 104: العودة إلى منطق العبارات الفضفاضة
يشكّل ما يُعرف بالمادة 104 من القانون، بصيغتها الحالية، جوهر الإشكالية القانونية في هذا النص. فالأحكام المتعلقة بجرائم “التحريض على الكراهية والتمييز” و”نشر الأخبار الكاذبة والمؤذية”، حين تُصاغ بعبارات عامة وغير محدَّدة الأركان، تصطدم مباشرة بمبدأ “شرعية الجرائم والعقوبات” (nullum crimen, nulla poena sine lege) المكرَّس في المادة 8 من الدستور اللبناني، والذي يقتضي أن يكون النص الجزائي محدَّد الأركان بدقة تكفي لتمكين المخاطَب به من ضبط سلوكه بناءً عليه، حسب معيار “القابلية للتنبؤ” (foreseeability) الذي استقرت عليه اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في تفسيرها للمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
فمفهوم “الخبر الكاذب” ذاته يطرح إشكالية معرفية وقانونية عميقة: إذ يفترض وجود سلطة قادرة على الفصل بين “الحقيقة” و”الكذب” في سياق إعلامي وسياسي متحرك، وهو أمر ينطوي على مخاطر جسيمة حين تُناط هذه السلطة التقديرية بجهة إدارية أو حتى قضائية تفتقر إلى معايير موضوعية صارمة، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي الحساس. أما مفهوم “المس بالشعور الديني أو الوطني”، فيستدعي بدوره تساؤلات جدّية حول توافقه مع الضمانات الدستورية لحرية النقد والرأي، لا سيما حين يُستخدم كأداة لتقييد الخطاب النقدي تجاه السياسات العامة أو المؤسسات الدينية والسياسية.
- إشكالية التعارض مع قانون العقوبات: نص خاص أم ازدواجية عقابية؟
ينص القانون على عدم سريان بعض أحكام قانون العقوبات المتعلقة بالقدح والذم والتحقير على الحالات التي ينظمها، باعتباره نصاً خاصاً يتقدّم عند التعارض وفق قاعدة “الخاص يقيّد العام”. وفي حين أن هذا التوجّه يحمل، من حيث المبدأ، بارقة أمل في تخفيف وطأة الملاحقات الجزائية بحق الصحافيين، فإن غياب الإلغاء الصريح والكامل لعقوبة الحبس عن الجرائم المرتبطة بممارسة المهنة الصحافية يُبقي النص أسير المنطق العقابي القديم، ويتعارض مع التوصيات المتكررة للمنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة، وفي مقدّمتها توصيات المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، التي تدعو صراحة إلى إلغاء عقوبات الحبس في قضايا النشر واستبدالها بعقوبات مدنية وإدارية بحتة.
كما أن آلية التنسيق بين اختصاص الهيئة الوطنية للإعلام واختصاص القضاء العدلي في الجرائم الإعلامية لا تزال غامضة في مواضع عدة من النص، وهو ما قد يفضي إلى ازدواجية في الملاحقة أو تنازع سلبي أو إيجابي في الاختصاص، بما يمسّ مبدأ الأمان القانوني الذي يُفترض أن يوفّره أي تشريع متكامل.
- غموض التركيبة المؤسسية للهيئة وصلاحياتها
على الرغم من الطابع الاستقلالي الذي أُريد إضفاؤه على الهيئة الوطنية للإعلام، فإن النص لم يحسم بشكل قاطع عدداً من المسائل الجوهرية: التركيبة الدقيقة للهيئة من حيث عدد الأعضاء وشروط الكفاءة المهنية المطلوبة فيهم، ونسبة تمثيل الإعلاميين والمهنيين ضمنها مقارنة بالممثلين السياسيين أو الإداريين، وآليات المساءلة والرقابة على قرارات الهيئة ذاتها. إن هذا الغموض التكويني يحمل في طياته مخاطر جدّية تتمثل في احتمال تحوّل الهيئة، بدل أن تكون ضمانة لاستقلالية الإعلام، إلى أداة إضافية لإعادة إنتاج المحاصصة السياسية والطائفية التي طبعت تاريخياً أداء المؤسسات الرقابية في لبنان.
- إشكالية ازدواجية الجهات الرقابية ووضعية الصحافة الإلكترونية
لا يزال النص يعاني من عدم حسم واضح للعلاقة بين ازدواجية الجهات الرقابية من جهة، ووضعية الصحافيين العاملين حصراً في الفضاء الإلكتروني من جهة أخرى، وهي إشكالية بنيوية سابقة على هذا القانون لكنها تفاقمت مع اتساع رقعة الإعلام الرقمي. فالنص لم يقدّم معالجة شاملة وواضحة لشروط الانتساب النقابي للعاملين في المواقع الإلكترونية، ولا لكيفية دمج هذه الفئة المهنية المتنامية ضمن الأطر النقابية القائمة أو إطار نقابي جديد يتناسب مع طبيعة عملها.
ثالثاً: ضرورات استكمال الإصلاح التشريعي
انطلاقاً من هذه المعاينة النقدية، تبرز جملة من الأولويات التشريعية التي لا بد من إدراجها ضمن أي مشروع أو اقتراح قانون لاحق يستهدف تعديل الثغرات القائمة:
أولاً، إعادة صياغة المادة 104 بما يحقق الانضباط اللغوي والقانوني الكافي لتحديد أركان الجرائم الإعلامية بدقة، بعيداً عن العبارات الفضفاضة القابلة للتوظيف السياسي، وبما ينسجم مع معيار “القابلية للتنبؤ” المعتمد دولياً.
ثانياً، الإلغاء الصريح والشامل لعقوبة الحبس في جميع الجرائم المرتبطة بممارسة المهنة الصحافية والنشر، واستبدالها بعقوبات مدنية وإدارية وغرامات متناسبة، تفادياً لأي استخدام أداتي للملاحقة القضائية بهدف تكميم الأصوات النقدية.
ثالثاً، توضيح التركيبة المؤسسية للهيئة الوطنية للإعلام بدقة تشريعية كاملة، من حيث آلية التعيين، وشروط الكفاءة، ونسبة التمثيل المهني، وآليات المساءلة والطعن بقراراتها أمام القضاء الإداري المختص، بما يحصّنها فعلياً من التسييس.
رابعاً، حسم الإشكاليات المتعلقة بالمواقع الإلكترونية الصحافية وربطها بالإطار النقابي على نحو ينصف العاملين في هذا القطاع المتنامي، ويوائم بين حداثة الوسيلة وثبات الضمانات المهنية.
خامساً، اعتماد آلية تنسيق واضحة بين اختصاص الهيئة الوطنية للإعلام والقضاء العدلي، تحول دون تنازع الاختصاص أو ازدواجية الملاحقة، وتُبقي الاختصاص الأصيل للغرف المدنية المتخصّصة في كل ما يمسّ الحريات العامة.
في الختام، إن القانون الجديد، في مجمل بنيته، يعكس محاولة تشريعية جادة لإخراج الحقل الإعلامي اللبناني من حالة الفوضى التنظيمية والتشرذم النصي التي طال أمدها؛ غير أن أي تشريع ناظم للإعلام لا يمكن أن يُقاس بمدى شموليته التنظيمية وحسب، بل بمدى قدرته على تحقيق التوازن الدقيق بين ضرورات التنظيم المهني والمؤسسي من جهة، وصون جوهر الحق الدستوري في حرية الرأي والتعبير من جهة أخرى. فالتنظيم حين يتحوّل إلى أداة تقييد مقنّعة، ولو بحسن نية تشريعية، يفقد مشروعيته الوظيفية ويتحول عبئاً على الحرية التي يُفترض أن يحميها.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة تستوجب تحركاً نقابياً وحقوقياً منظّماً، تقوده نقابة الصحافة والمحررين بالتنسيق مع الهيئات الحقوقية المعنية، للدفع باتجاه تعديلات تشريعية جوهرية تعالج الثغرات المشار إليها، وفي مقدّمها إلغاء أي شكل من أشكال الحبس بحق الصحافيين، وإلغاء النصوص الجزائية بما يحول دون توظيفها السياسي. فوحدة الجسم الإعلامي اللبناني، بمختلف مكوناته من صحافة مكتوبة ومرئية ومسموعة وإلكترونية، لن تُصان إلا بتشريع يوازن بين ضرورات العصر التنظيمية وثوابت الحرية التي لا تقبل المساومة، باعتبار أن حرية الصحافة ليست امتيازاً تمنحه الدولة، بل ضمانة دستورية أصيلة تشكّل ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي حقيقي.
د. ابراهيم العرب