كل شيء يعبر الحدود.. إلا الإنسان

الإعلامية سحر ناصر

ترتفع اليوم على الحدود التركية – الإيرانية ألواح الفولاذ والأسلاك الشائكة والأبراج، في جدران خرسانية طولها 380 كيلومترًا وخنادق مسافتها 553 كيلومترًا تفصل بين جهتين من الأرض، في مشهد أمني تقليدي: دولة تحصّن حدودها، وتراقب من يدخل أراضيها، وتحاول الحد من الهجرة غير النظامية والتهريب والتسلل في ظلّ التوترات الإقليمية.

وهو حال دول كثيرة حول العالم، فعدد الجدران الحدودية بلغ أكثر من 74 جدارًا في السنوات الأربع الأخيرة بحسب «معهد سياسات الهجرة»، بعد أن كان أقل من خمسة جدران منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وارتفع بمقدار ستة أضعاف بعد الحرب الباردة.

لكن انظر إلى المشهد من زاوية أخرى: عشرات آلاف الأقمار الصناعية تعبر فوق هذه الجدران، ومليارات الدولارات تنتقل بين القارات السبع في ثوانٍ، وفكرة تغزو مجتمعات بأيام بينما ينتظر صاحبها التأشيرة لأعوام.

كل شيء تقريبًا أصبح قادرًا على التنقل بحرية، إلا الإنسان. رسائلنا، ملفاتنا، ذكرياتنا، مواقعنا وتحركاتنا تسير في سحابة رقمية لا نعرف موقعها. نُطور التقنيات لتسهيل حركة رأس المال والسلع والمعلومات، وفي الوقت نفسه نبتكر تقنيات أكثر تقدمًا لتعقيد حركة الإنسان: جدران خرسانية بقدرات كهروضوئية، كاميرات حرارية، طائرات مسيّرة، بيانات بيومترية، وأنظمة مراقبة رقمية.

وكأننا أمام عولمتين متوازيتين: عولمة تفتح الطريق أمام الأشياء، وأخرى تُضيق الطريق أمام البشر.

عندما سقط جدار برلين عام 1989، قيل للإنسان إن العالم يتجه نحو إزالة الحدود. فتحوّل سقوط هذا الجدار إلى رمزٍ للحرية، وغدت «شنغن» تعبيرًا عن فلسفة سياسية أوروبية ترى في ذوبان الحدود جزءًا من صناعة السلام. اعتلى آلاف البشر هذا الجدار وحطموا أجزاءه، وكأن البشرية أعلنت أن زمن الفصل بالفولاذ والاسمنت قد انتهى.

لكن الجدار الذي سقط لأنه قال للإنسان «لا يمكنك المغادرة» شيّد نفسه مُجدداً ونطق قائلاً «لا يمكنك الوصول». تغيرت الأيديولوجيا وتبدّلت المخاوف لكن الإنسان نفسه بقي واقفًا أمام الحاجز.

واليوم، تتنافس الدول على بناء الجدران، فظهرت الأسوار على حدود أوروبية مع بيلاروسيا وروسيا وتركيا وغيرها من مسارات الهجرة. وأوروبا التي احتفلت بسقوط أشهر جدران القرن العشرين، وجدت نفسها في القرن الحادي والعشرين تبني جدرانًا جديدة. فارتفع إجمالي طول الأسوار الحدودية بحسب البرلمان الأوروبي من نحو 315 كيلومترًا إلى أكثر من ألفي كيلومتر خلال السنوات العشر الأخيرة.

والجدران التي ارتبطت تاريخيًا بالحروب والنزاعات الإقليمية أصبحت في القرن الحادي والعشرين مرتبطة بإدارة حركة الإنسان، إذ تستهدف 32 في المئة منها اليوم هجرة البشر. وهنا يستحضر المشهد معنى بالغ القوة، ورد في القرآن الكريم: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاْسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)، سورة النساء، الآية 97.

ماذا لو ضيّقوا الأرض علينا؟

لقد وعدتنا التكنولوجيا بأن تجعل العالم أصغر. وقد فعلت. اختصرت المسافات، وقلّصت الزمن، وأسقطت الحدود أمام المال، والمعلومة، والصورة، والفكرة. لكنها أوصلتنا إلى عالم يستطيع فيه كل شيء يخص الإنسان أن يعبر الحدود… إلا الإنسان.

ربما سيكتب مؤرخو المستقبل عن عصرنا باعتباره عصرًا شديد التناقض..عصرًا استطاع فيه الإنسان أن يُخزن كلّ ما يخصّه في سحابة رقمية، لكنه لم يستطع أن يصل إلى الجانب الآخر من الحدود.. عصرًا تعبر فيه صورة طفل مُحاصر جوعاً عشرين دولة في ثانية واحدة. عصرًا تستطيع فيه الأموال والسلع والبيانات أن تبحث بحرية عن أفضل مكان لها، بينما لا يمتلك الإنسان الحرية نفسها في البحث عن مكان يقضي فيه عمره الذي يملك سواه.

لقد نجحت العولمة في جعل العالم قرية واحدة، لكنها بلا شكّ ما زالت تفصل الروح عن الجسد بالتأشيرة والجدران.

سحر ناصر