مؤتمر دعم الجيش: الامتحان يسبق المساعدات

بقلم نقولا ناصيف
«أساس ميديا»
لمؤتمر دعم الجيش في باريس نقطة قوّة تُسجّل للمؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة، وفي الوقت نفسه نقطة ضعف. الأولى أنّها تؤكّد ثقة المؤتمرين بها فلا يتجاهلونها أو يتنكّرون لها أو يتنصّلون، بل يجدون أنّ الجيش اللبنانيّ لا يزال فرصة متاحة ورهاناً. أمّا الثانية، نقطة ضعفه، فهو أنّه يحتاج مجدّداً إلى أكثر من امتحان للتحقّق من جدّيّة نجاح ذاك الرهان عليه. من حول هاتين النقطتين عُني مؤتمر باريس بدعمه، بأن اكتفى الخميس باجتماع تحضيريّ يسبق مؤتمر المساعدات الفعليّة الذي ينتظر بدوره نتائج امتحانه.
المعلوم أنّ قائد الجيش العماد رودولف هيكل حمل إلى مؤتمر باريس، في يد، خططاً بالمهمّات التي سيُعهد إلى الجيش تنفيذها ربطاً بقرار الحكومة حصر السلاح في يد الدولة، ليس جنوب نهر الليطاني فحسب بل في البقاع والمناطق اللبنانيّة الأخرى. لكنّه حمل في اليد الأخرى لائحة طويلة بالحاجات التي تتطلّبها المؤسّسة العسكريّة تبعاً للمهمّات تلك، من قدرات تسليحيّة ولوجستيّة وتقنيّة وتدريب ووسائل مراقبة واتّصال وآليّات طبقاً لخطّة متدرّجة متكاملة لا تنتهي بقطع الغيار، وصولاً إلى طلب المساعدة الماليّة المعنونة “تحسين أوضاع العسكريّين”. ما يطلبه الجيش أقرب ما يكون إلى تسليح جيش جديد ينقصه كلّ العتاد لا العديد.
ذلك كلّه المعلوم الذي يذهب به لبنان. ثمّة معلوم آخر سيُقابل به هذا البلد من الدول المشاركة في المؤتمر، عربيّة وغربيّة، ليس ابن ساعته، لكنّه يعود إلى مطلع الولاية الحاليّة للرئيس جوزف عون: لا مساعدات عسكريّة جدّيّة قبل التحقّق من إحراز الجيش تقدّماً ملموساً في تنفيذ ما قرّرته السلطات اللبنانيّة بنفسها، وهو حصر السلاح في يدها. المقصود به نزع سلاح “الحزب”. بعد سنة ونصف سنة في عمر العهد، المطلب العربيّ الدوليّ لم يتبدّل منذ وقف النار الأوّل في 27 تشرين الثاني 2024 الذي دفع إلى انتخاب عون رئيساً.
النّظر بأمل وحذر
مؤدّى اليوم الأوّل الوحيد لمؤتمر باريس، التحضيريّ، أنّ الجيش ينظر إليه بأمل، وفي الوقت نفسه بحذر، غير متيقّن من قرب أو بُعد موعد الاجتماع الأصل الثاني. حذره هذا، معطوفاً على ما هو محور نقاش، تزامن مع الدعوة إلى المؤتمر: أيّهما يسبق الآخر: المساعدات أم الامتحان؟
وجهة نظر الجيش أنّه يحتاج إلى مساعدات، وإن بحدّ أدنى في مرحلة أولى، تمكّنه من إنجاز خطوات بقدرات واثقة من تنفيذ قرار حصر السلاح في يد الدولة. وجهة النظر الأخرى معاكسة تماماً: يجدر به أن يتقدّم أوّلاً لترسيخ الثقة بجدّيّة ما يفعل ودحض المزاعم والاتّهامات المسوقة بحقّه من أنّه يراعي “الحزب” ولا ينفصل عنه فعليّاً.
دونما الاصطدام بـ”الحزب”
مصدر هذه الشكوك مواقف قائد الجيش بأنّه جاهز لتنفيذ مهمّاته دونما الاصطدام بـ”الحزب”. وهو موقف يتطابق مع ما يدلي به رئيس الجمهوريّة دائماً، وآخر تحديث له كان عشيّة سفره إلى باريس، الأربعاء، حين أعلن أنّه يريد بناء دولة بلا حرب أهليّة وفتنة، وحصر السلاح بلا صدام داخليّ، وهذا الكلام رسالة لبنانيّة صريحة من ممثّل لبنان في المؤتمر استباقاً لما قد يسمعه هناك.
حجّة لبنان الرسميّ بتفادي اشتباك داخليّ مكلف قويّة بمقدار الحجّة المقابلة التي يواجَه بها من شركاء المؤتمر، لا سيما منهم الأوروبيّين، وهي كيفيّة تعامل الدولة اللبنانيّة مع جيشين على أرضها ما لن يمكّنها من أن تحكم ولا أن تحظى كدولة مستقلّة باحترام الدول الأخرى. ما يُستنتَج من الحجّة هذه أنّ الصدام واقع يوماً ما.
كان ضبّاط مديريّة المخابرات اللبنانيّة سمعوا في آذار 2025 من مدير مخابرات السلطة الفلسطينيّة ماجد فرج عندما استضافوه في اليرزة، يروي مآسي الازدواجيّة التي تعاني منها دولته المطابقة لحال لبنان: “حماس” تنافس السلطة الفلسطينيّة وتنتزع منها سيادتها. في ختام الحوار قال فرج: “لا يمكن إدخال سيفيْن في غمد واحد”. واقع ما يعترف به أيضاً الجيش اللبنانيّ.
انتظار الإشارات
في نهاية المطاف لا يملك عرّابو مؤتمر باريس والمشاركون فيه، سوى انتظار إشارات جدّيّة وإيجابيّة قبل الذهاب إلى فتح خزائن تمويل شراء سلاح للجيش اللبنانيّ أو تقديم مساعدات له:
• دحض الاتّهامات المسوقة بحقّ الجيش حيال اختراق “الحزب” له من الداخل، والمقصود بذلك البنية الفوقيّة للمؤسّسة العسكريّة التي فقدت فعليّاً معاييرها البنيويّة التاريخيّة، بحيث لم تعد تقتصر على الكوتا الطائفيّة أو المذهبيّة، بل أدمجت فيها كوتا حزبيّة باتت تتقدّم ما عداها.
ليس مستغرباً، ولا يملك الجيش أن ينفي ما يسمعه من دبلوماسيّين ملمّين بشؤون هذا البلد يقولون إنّ “داتا” الجيش عند “الحزب” لا العكس، شأن ما درج بعد عام 2005 عندما تقاسمت الأحزاب محاصصة الأسلاك والإدارات الأمنيّة والعسكريّة كي تمسي هذه مرجعيّة تلك.
كان الأمر كذلك في الحقبة السوريّة بفجاجة أقلّ بروزاً نجم عن الطاعة العمياء لدمشق، فلم يَبُن مرّة في عقد التسعينيّات إن اقتطعت الأحزاب حصّتها داخل المؤسّسة العسكريّة أو زرعت رجالها فيها أو فرضت تعيينهم. ذاك كلّه بدأ تفشّيه عام 2005 وبلغ ذروته بعد عام 2008 ما إن بات كلّ مَن تعيّنه مرجعيّة طائفته يمتلك فيتو التعطيل باسمها.
هل يقوم “الحزب” بمراجعة ذاتيّة؟
• توصّل “الحزب” إلى مراجعة للذات حيال ما أضحى عليه بعد حرب السنوات الثلاث الأخيرة مع إسرائيل، رغم كلفتها الباهظة عليه وعلى طائفته، ناهيك بفقدان مبادرة “الحزب” بأن أضحى في كلّ حال في معرض الدفاع عن المواقع الأخيرة التي يفقدها تباعاً.
“الحزب” في مقلب معاكس للجيش. لم يتعاون معه، وإن تعامل فمن دون أن يعرقل، في المرحلة السابقة للانتشار جنوب نهرالليطاني بين عامَي 2024 و2025. الآن يبدو في موقع أكثر تشدّداً على وفرة إطرائه الجيش وتحييده عن نزاعه مع السلطة السياسيّة. أخيراً قدّم درساً إضافيّاً أنّه لن يكون في صدد التسليم بدوره طوعيّاً. رفض تسليم مرتفع عليّ الطاهر إلى الجيش لئلّا تُسجّل سابقة تسليمه له سلاحاً أو منشأة، وقد يأتي يوم يطالبه الجيش بمثلها في سجد أو أيّ مكان آخر لا يزال فيه. لئلّا يفعل كانت النتيجة أن أحدثت إسرائيل زلزالاً في إنفاق ذلك المرتفع.
لـ”الحزب” معضلته كالدولة اللبنانيّة. كلاهما أضحيا أسيرَيْ خيارات الأبواب الموصدة حتّى الآن على الأقلّ: لا يجلس معها ما لم تلغِ قرارَي 5 و7 آب 2025 و2 آذار 2026 وفي الوقت نفسه يتقهقر وهو يتمسّك بسلاحه غير قادر على المضيّ في حرب خاسرة. أمّا معضلة الدولة فتكمن في التمسّك بالاتّفاق مع إسرائيل من دون أن تملك التراجع عنه وعاجزة في الوقت نفسه حيال علّة “الحزب”.
• ثالثة الإشارات، وقد تكون الأكثر تأثيراً مباشراً، أن لا مساعدات عسكريّة للبنان تسليحاً أو تمويلاً ما لم تأذن بها الولايات المتّحدة، غير المستعجلة قبل التحقّق من استنفاد العمليّات العسكريّة الإسرائيليّة أعمالها وأهدافها في جنوب لبنان.
نقولا ناصيف