بقلم سحر ناصر
تعاملت شعوب المنطقة مع الانتخابات الأمريكية النصفية وكأنها انتخابات تخصّها، حيث تابعت وسائل الإعلام العربية مواقف المرشحين من إسرائيل وإيران، وحسابات جماعات الضغط، وكأن مستقبل الأمن الإقليمي يتحدّد في صناديق الاقتراع الأمريكية.
هذا الاهتمام له ما يبرّره في ظلّ الحرب الأمريكية الإسرائيلية–الإيرانية، والهيمنة الأمريكية العسكرية والدبلوماسية منذ عقود. لكن الإشكالية ليست في حجم تأثير واشنطن، بل في استمرار عجز المنطقة عن تقليص هذا التأثير في قراراتها المصيرية.
منذ أزمة السويس عام 1956، ارتبطت تحوّلات كبرى في الشرق الأوسط بالسياسة الأمريكية، بدءاً من ضغط إدارة أيزنهاور لإنهاء العدوان الثلاثي على مصر، مروراً بحرب أكتوبر 1973 ودبلوماسية هنري كيسنجر، وصولاً إلى حرب الخليج عام 1991 والغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
تُظهر هذه المحطات حقيقة تغيب أحياناً عن النقاش السياسي العربي، وهي أن تغيير الرؤساء لا يعني بالضرورة تغيير المصالح الاستراتيجية الأمريكية، بل تغيير الأدوات والأولويات وطرق إدارة النفوذ. فعندما انتهت ولاية جورج بوش الابن عام 2009، علّق العالم العربي آماله على باراك أوباما، خاصة بعد خطابه في القاهرة الذي وعد فيه ببداية جديدة مع العالم الإسلامي. لكن السنوات التالية أثبتت أن الخطاب التصالحي لا يُلغي حسابات القوة.
ثم جاء دونالد ترامب عام 2017 بسياسة تربط الحماية الأمنية بالمقابل الاقتصادي، وجو بايدن عام 2021 وسط توقعات بإعادة الاعتبار للدبلوماسية والمؤسسات الدولية. ورغم التداول في السلطة بين الجمهوريين والديمقراطيين، بقيت قضايا فلسطين وأمن الخليج والملف النووي الإيراني دون حل.
اليوم، يتكرّر التعويل على بداية جديدة مع كل رئيس أمريكي، بينما تشير التجربة إلى غير ذلك. وتتجلّى الإشكالية مع الحرب الحالية وتداعياتها على أمن الخليج وأسواق الطاقة والممرات البحرية، ومع دعوات ترامب دول المنطقة إلى تحمّل مسؤولية مستقبلها. فقد أكّد في خطابه بالرياض عام 2025 أن نهضة الشرق الأوسط ينبغي أن يصنعها أبناؤه، لا التدخّل الخارجي. وفي مارس 2026، طالب الدول المتضرّرة من اضطرابات مضيق هرمز بتحمّل مسؤولية حماية مصالحها، في انعكاس لنهج يربط الضمانات الأمنية بحسابات المصلحة والكلفة الأمريكية. لكن تحميل واشنطن مسؤولية الارتهان الإقليمي لا يعفي دول المنطقة من مراجعة نفسها. فالتبعية ليست نتيجة اختلال موازين القوة وحده، بل أيضاً ضعف المؤسسات، وتراجع التكامل الاقتصادي، وتضارب الأولويات الأمنية، والاعتماد على الحماية الخارجية.
المنطقة ليست عاجزة كما تصوّرها بعض الخطابات السياسية؛ فهي تملك موارد طاقة ضخمة، وصناديق سيادية مؤثّرة، وموقعاً يتحكّم بممرات التجارة العالمية، وقدرات دبلوماسية وعسكرية وتجارب تنموية ناجحة. لكن امتلاك هذه المقوّمات لا يعني القدرة على توظيفها جماعياً. وإنما يتطلّب الاستقلال الاستراتيجي إصلاح المؤسسات بشكل عاجل، وتطوير صناعات دفاعية متكاملة، وإنشاء آليات إقليمية لإدارة النزاعات والإنذار المبكر، وتعزيز الترابط الاقتصادي بحيث تصبح كلفة الصراع أعلى من مكاسب التعاون، بالإضافة إلى فتح مسارات تفاوض إقليمية تتشارك فيها المؤسسات المتخصصة ومكوّنات المجتمع المدني والأوساط العلمية.
صحيح أن متابعة الانتخابات الأمريكية النصفية في عالم مترابط هو خطوة منطقية وسط التهديدات النووية. لكن اختلال الوعي السياسي العربي يظهر بقوّة في الرهان على مرشحين أمريكيين من أصول عربية، وكأن الانتماء الديني كفيل بتغيير اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية. إنه رهان يتجاهل أن ملف الشرق الأوسط، رغم أهميته، يظل ورقة للتوظيف الانتخابي، فيما تحكم المصالح المؤسسية خيارات واشنطن.
تجرى الانتخابات الرئاسية الأمريكية كل أربع سنوات، فيما تستمر أزمات الشرق الأوسط لعقود. والمهم ليس ما سيفعله الرئيس الأمريكي المقبل بالمنطقة، بل ما ستفعله دول المنطقة بنفسها خلال السنوات الأربع المقبلة. فحين تصبح نتائج الانتخابات الأمريكية، حتى النصفية منها، بديلاً عن مشروع إقليمي مستقل، وحين تغيب الإرادة السياسية الإقليمية، تتأكد فرضية أن النفوذ الأمريكي ليس وحده المشكلة.
إنّ الاستقلال الاستراتيجي لا تصنعه صناديق الاقتراع في واشنطن، بل شعوب هذه المنطقة ومؤسساتها المغيبة التي تعيش في وهم الانتماء إلى منافسات «ميشيغان» الانتخابية.
سحر ناصر