الخصخصة في لبنان: من ينقذ الدولة… ومن يحمي أصولها؟

بقلم دافيد عيسى
لم تعد الخصخصة في لبنان مجرد خيار اقتصادي يُطرح في سياق الإصلاح، بل غدت عنوانًا رئيسيًا في النقاش الدائر حول مستقبل الدولة ودورها في إدارة المرافق العامة.
وبين من يراها فرصة لإنقاذ المؤسسات العامة وتحسين كفاءتها، ومن يخشى أن تتحول إلى عملية بيع للأصول الوطنية تحت وطأة الأزمة المالية، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تشكل الخصخصة مدخلًا لإصلاح الدولة، أم أنها قد تصبح غطاءً للتخلي عن مسؤولياتها؟
في ظل الانهيار الاقتصادي والمالي غير المسبوق، وتراجع قدرة الدولة على إدارة مرافقها العامة، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة هذا الملف بعيدًا عن الشعارات والمواقف المسبقة، والنظر إليه بوصفه أحد الخيارات الإصلاحية التي تستوجب دراسة دقيقة تحدد شروط نجاحه والضمانات الكفيلة بحماية المصلحة العامة وصون حقوق المواطنين.
وتتباين الآراء بشأن هذا الخيار بين مؤيد ومعارض.
فالمؤيدون يرون فيه فرصة لتعزيز كفاءة المؤسسات العامة، والاستفادة من الخبرات الإدارية والفنية، وتحسين جودة الخدمات، فيما يحذر المعارضون من أن يتحول إلى بوابة لبيع أصول الدولة أو تحميل المواطنين أعباءً اقتصادية إضافية.
وفي مفهومها الاقتصادي، لا تعني الخصخصة بالضرورة بيع أصول الدولة أو التخلي عنها، بل قد تتمثل في إشراك القطاع الخاص في إدارة بعض المرافق العامة أو تشغيلها بموجب عقود واضحة، مع احتفاظ الدولة بملكيتها الكاملة ودورها الرقابي والتنظيمي.
غير أن نجاح هذا التوجه لا يرتبط بالنموذج الاقتصادي وحده، بل بالبيئة التي يُطبق فيها.
فهو يحتاج إلى دولة قوية، وقضاء مستقل ونزيه، واستقرار أمني وسياسي، ومؤسسات فاعلة، وتشريعات واضحة، وهيئات رقابية مستقلة تضمن التوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق المواطنين.
وتكتسب الخصخصة في لبنان خصوصية استثنائية، في ظل إدارة عامة عانت لعقود من البيروقراطية والفساد والمحاصصة السياسية وضعف التخطيط، ما أدى إلى تراجع أداء العديد من المرافق العامة رغم الأموال الضخمة التي أُنفقت عليها.
ويُعد قطاع الكهرباء النموذج الأبرز لفشل الإدارة العامة، إذ استنزف مليارات الدولارات من خزينة الدولة من دون أن يؤمن خدمة مستقرة، ما اضطر المواطنين إلى تحمل كلفة مزدوجة تتمثل في فاتورة الكهرباء الرسمية وفاتورة المولدات الخاصة.
وتؤكد التطورات الأخيرة عمق الأزمة في هذا القطاع، بعدما حذرت تقارير إعلامية من تراجع إنتاج الكهرباء مع اقتراب نفاد مخزون الوقود، وسط مخاوف من اتساع ساعات التقنين والدخول في مرحلة أكثر صعوبة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
ويعكس هذا الواقع استمرار هشاشة قطاع الكهرباء وعجزه عن توفير خدمة مستقرة.
ولا يقتصر الأمر على الكهرباء، بل يمتد إلى قطاعات المياه والنفايات والمرافئ والنقل، فضلًا عن الاتصالات التي تُعد من أبرز القطاعات المطروحة في أي نقاش حول الخصخصة، نظرًا إلى أهميتها الاقتصادية والاستثمارية.
كما يشكل قطاع المياه مثالًا آخر على تعثر الإدارة العامة، إذ إن عددًا من مشاريع السدود والمنشآت المائية التي أُنشئت خلال السنوات الماضية لم يحقق النتائج المرجوة، وسط انتقادات لطريقة التخطيط والتنفيذ وغياب الشفافية والرقابة، الأمر الذي أبقى أزمة المياه قائمة، وأجبر المواطنين على تحمل كلفة مزدوجة تتمثل في الفاتورة الرسمية وكلفة صهاريج المياه الخاصة.
ومن هنا، لا يمكن فصل أي مشروع للخصخصة عن إصلاح الإدارة العامة وتحديثها، ولا سيما من خلال التحول الرقمي الذي يعزز الشفافية، ويحد من الفساد، ويخفض الكلفة، ويحسن جودة الخدمات. فالخصخصة والتحول الرقمي يمكن أن يشكلا مسارين متكاملين ضمن رؤية إصلاحية شاملة.
ولا شك أن إشراك القطاع الخاص قد يكون خيارًا منطقيًا في عدد من القطاعات، لما يمتلكه من خبرة ومرونة وقدرة على رفع الكفاءة.
إلا أن الاعتقاد بأن نقل إدارة المرافق العامة إلى شركات خاصة سيؤدي تلقائيًا إلى حل المشكلات يبقى تبسيطًا لطبيعة الأزمة، لأن الخصخصة ليست علاجًا بحد ذاتها، بل أداة تتوقف نتائجها على قدرة الدولة على التنظيم والرقابة وحماية المنافسة.
ولا يبحث المستثمر، سواء كان محليًا أم أجنبيًا، إلا عن بيئة آمنة ومستقرة سياسيًا واقتصاديًا، وقضاء مستقل يحمي العقود، وتشريعات واضحة تكفل الحقوق وتحد من المخاطر.
وكما هو متداول في عالم الاقتصاد، فإن رأس المال جبان، ويبحث أولًا عن الاستقرار قبل العائد.
وفي المقابل، فإن غياب الهيئات الناظمة المستقلة، وضعف الأجهزة الرقابية، وغياب التشريعات التي تمنع الاحتكار وتضمن المنافسة العادلة، قد يحول هذا الخيار من أداة للإصلاح إلى وسيلة لترسيخ الاحتكار والإضرار بالمستهلك.
ومن أكثر المفاهيم شيوعًا، وإن كان خاطئًا، الاعتقاد بأن الخصخصة تعني تقليص دور الدولة.
فالواقع أن اتساع دور القطاع الخاص في إدارة المرافق العامة يفرض على الدولة مسؤوليات أكبر في التنظيم والرقابة، وحماية المستهلك، وضمان جودة الخدمات.
ولذلك، فإن نجاح أي تجربة في هذا المجال لا يُقاس بعدد المؤسسات التي يديرها القطاع الخاص، بل بقدرة الدولة على أداء دورها كمنظم محايد وحامٍ للمصلحة العامة.
إن الإصلاح الحقيقي في لبنان لا يبدأ ببيع المؤسسات العامة، كما أنه لا يتحقق برفض الخصخصة من حيث المبدأ، بل يبدأ بإعادة بناء الدولة على أسس الحوكمة الرشيدة، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الهيئات الناظمة، ومكافحة الفساد، وترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وفي المحصلة، ليست الخصخصة قضية تُختزل في التأييد أو الرفض، بل في كيفية تطبيقها والإطار الذي يحكمها. فقد تكون أداة فعالة للإصلاح، وتحسين الخدمات، وجذب الاستثمارات، إذا استندت إلى مؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، ورقابة صارمة، وشفافية كاملة.
دافيد عيسى