لبنان بين أوهام الغلبة وفرصة بناء الدولة

بقلم عامر منير البحصلي
على مدى عقود، شهد لبنان مراحل اعتقد فيها أكثر من فريق لبناني، وفي أزمنة مختلفة، أن موازين القوى قد استقرت لمصلحته، وأن بإمكانه إدارة البلاد بمنطق الغلبة. لكن التجارب أثبتت أن لا غالب ولا مغلوب في لبنان، وأن كل من ظن أن الغلبة دائمة عاد واكتشف أن دوام الحال من المحال. ومن هذا المنطلق، نجدد دعوتنا إلى جميع شركائنا في الوطن، وإلى كل من يرى اليوم أنه في موقع قوة، أن يحوّل هذه القوة إلى فرصة لمدّ اليد إلى سائر الشركاء، وترسيخ الثقة بينهم، وتغليب منطق الدولة على منطق الغلبة، لأن لبنان لا يُحكم إلا بالشراكة، والاحتكام إلى الدستور، واحترام المؤسسات الشرعية.
واليوم، نجدد دعوتنا إلى جميع اللبنانيين، وإلى جميع القوى السياسية، لإسقاط أوهام الغلبة والإلغاء من حساباتهم، والتكاتف حول المصلحة الوطنية العليا، فهي وحدها الكفيلة بإعادة بناء الدولة واستعادة ثقة اللبنانيين، والأشقاء العرب، والمجتمع الدولي بها.
فلبنان الذي نطمح إليه هو لبنان الراسخ في انتمائه العربي، والمعتز بخصوصيته الثقافية والحضارية، وبنموذجه الفريد القائم على التعددية الدينية والمذهبية والثقافية، وعلى العيش المشترك بين جميع مكوناته. وهو لبنان المنفتح على محيطه العربي، والمتمسك بعلاقاته الأخوية مع أشقائه، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن عمقه العربي يشكل بعدًا أساسيًا من هويته ومصدرًا لقوته واستقراره. وهذا التنوع لم يكن يومًا مصدر ضعف، بل كان على الدوام مصدر غناه، وأحد أهم عناصر فرادته، ومنطلق رسالته الحضارية في ترسيخ قيم الحرية والانفتاح والحوار، وبناء دولة المواطنة التي يتساوى فيها جميع أبنائها في الحقوق والواجبات.
ولا يمكن أن تستقيم الشراكة الوطنية، ولا أن تستعيد الدولة هيبتها، إلا بالالتزام الكامل بالدستور ووثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، وببسط السلطة الدستورية الشرعية وحدها على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية، عبر مؤسساتها الدستورية. فالدولة وحدها هي الضامن لحقوق جميع اللبنانيين، وهي وحدها القادرة على حماية السيادة، وصون الاستقلال، وترسيخ المساواة بين المواطنين، وإعادة بناء الثقة بين الدولة وشعبها، وبين لبنان ومحيطه العربي والمجتمع الدولي.
وفي هذا السياق، ندعو جميع القوى السياسية، ولا سيما تلك التي تمتلك حضورًا وتأثيرًا واسعًا في الحياة الوطنية، إلى اعتماد خطاب يبعث الطمأنينة في نفوس اللبنانيين، وإلى وضع حد لكل خطاب سياسي أو إعلامي يثير المخاوف بين أبناء الوطن الواحد، أو يعمّق الانقسامات الداخلية، أو يغذي الهواجس تجاه محيطنا العربي، ولا سيما تجاه سوريا الجديدة. فمنذ قيام الواقع السوري الجديد، لم يفوّت مسؤولوها مناسبة إلا وأكدوا احترامهم لاستقلال لبنان وسيادته، وحرصهم على إقامة علاقات طبيعية بين البلدين. ومن مصلحة لبنان أن يُبنى على هذه المواقف الإيجابية، وأن تُفتح صفحة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون بما يخدم استقرار الشعبين وازدهارهما.
إن لبنان لا ينتصر فيه فريق على آخر، بل ينتصر عندما يشعر كل لبناني أنه شريك كامل في وطنه، وعندما تكون الدولة وحدها المرجعية الحامية للجميع، وعندما يستعيد وطننا دوره الطبيعي جسرًا للتواصل بين الشرق والغرب، وعضوًا فاعلًا في محيطه العربي، يعتز بانتمائه إليه، ويسهم في نهضته، ويستمد منه في المقابل عمقًا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
لقد آن الأوان أن نطوي صفحة أوهام الغلبة إلى غير رجعة، وأن نفتح معًا صفحة الدولة؛ دولة الدستور والقانون، دولة الشراكة والمواطنة، دولة المؤسسات، والجيش الواحد، والقضاء المستقل العادل، التي تحتضن جميع أبنائها على قدم المساواة، وتصون حقوقهم وحرياتهم، وتبسط سلطتها الشرعية على كامل أراضيها، وتستعيد مكانة لبنان الطبيعية في محيطه العربي، ليبقى وطنًا سيدًا، حرًا، مستقلًا، مزدهرًا، ورسالةً للعيش المشترك والحوار والانفتاح
عامر منير البحصلي