كتب عوني الكعكي:
هناك موجة شعبية كبيرة في إيران بدأت ترفع صوتها عالياً، ضد إدارة الدولة… وبالأخص ضد الحرس الثوري الذي يتمسّك بموضوع النووي.
أصحاب هذا الرأي أصبحوا أكثرية، خاصة بعد الخسائر الكبرى التي أصابت هذا المشروع منذ عشرات السنين، بالإضافة الى الأموال التي صرفت على ما يسمّى بـ«أذرع إيران» في المنطقة.
أمّا الإدعاءات التي كان يطلقها مرشد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي بـ«أننا نسيطر على أربع عواصم عربية هي: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء»، فقد تلاشى هذا الحلم بين يوم وليلة وذهب مع الريح.
وكي نكون دقيقين، هناك مئات المليارات التي دفعت من أجل تسليح وتأمين رواتب عناصر الأذرع الى محاولة إقامة مفاعل نووي في سوريا دمّرته إسرائيل خلال ثوانٍ.
الشعب يرفع شعار: «الشعب الإيراني أحق بالمال الذي يصرف على الأذرع». والسؤال الكبير: ها بدأت الأذرع بالسقوط، فمن المسؤول ومن يحاسب من؟
من أجل ذلك كله سلّط الضوء على قضية النووي فقد فتح الجدل بشأن كلفة تخصيب اليورانيوم والبرامج العسكرية باباً جديداً للخلاف داخل مؤسّسات النظام الإيراني، بعدما بدأت أصوات قريبة من الرئيس مسعود بزشكيان تربط استمرار الاتفاق على البرنامج والصواريخ والطائرات المسيّرة بتداعياته الاقتصادية في وقت تواجه فيه طهران ضغوطاً متزايدة، بفضل الحرب والعقوبات وارتفاع التضخم.
وتصاعد الخلاف خلال الأيام الأخيرة على تصريحات جعفر قائم بناه، النائب التنفيذي للرئيس الإيراني، الذي دعا الى احتساب الكلفة التي تتحملها البلاد، مقابل أهدافها الاستراتيجية.
كذلك أكد يوسف بزشكيان نجل الرئيس ومستشاره الإعلامي، أنّ بقاء إيران لا يرتبط بالتخصيب، وأنّ البرامج النووية والصاروخية والطائرات المسيّرة يجب أن تخضع لمصلحة البلاد والكلفة المترتبة عليها.
وأثارت هذه المواقف هجوماً من التيار المتشدّد، إذ دافع نائب الشؤون السياسية في الحرس الثوري يدالله جواني عن التخصيب والبرنامج الصاروخي والسياسة الإقليمية. فيما وصفت صحيفة «كيهان» المقرّبة من المتشدّدين الطروحات الصادرة من محيط الرئاسة بأنه تنازل، ما يعكس اتساع الخلاف حول مفهوم الأمن وأولويات النظام بعد ستة أشهر من الحرب.
وكشف مصدر سياسي إيراني معارض مطلع على اتصالات بين مسؤولين وشخصيات سياسية في طهران لـ«إرم نيوز» أن التصريحات الأخيرة جاءت بعد خلافات شهدتها اجتماعات حكومية، خلال الأسابيع الماضية، بشأن توزيع الموارد بين معالجة أزمات الكهرباء والعملة والأجور، وأعادت تأهيل المنشآت المدنية المتضررة من الحرب، وبين الإلتزامات العسكرية والنووية.
وحسب المصدر، اصطدمت تقديرات حكومية لكلفة إصلاح قطاع الطاقة، ودعم السلع وتسوية المتأخرات المالية، بمطالب مرتفعة من المؤسسات العسكرية والمنشآت التي تضررت خلال الحرب. ما دفع شخصيات قريبة من الحكومة الى التحذير من أنّ استمرار توزيع الموارد وفق الأولويات السابقة سيضاعف الضغوط على الموازنة.
وامتد الخلاف الى ملف التخصيب مع مطالبة شخصيات محسوبة على محيط بزشكيان ببحث الكلفة المالية والسياسية لاستعادة مستويات النشاط السابقة في المنشآت النووية المتضررة.
في المقابل، وعلى الجانب الآخر، رفض مسؤولون مرتبطون بالحرس الثوري ومؤسسات قريبة من مكتب المرشد، إدراج التخصيب والبرنامج الصاروخي ضمن الملفات التي يمكن إعادة ترتيب أولوياتها.
وأشار المصدر الى أنّ فريق بزشكيان لا يملك سوى هامش محدود في الملفات النووية والعسكرية. ويتركز تأثيره في إثارة التداعيات الاقتصادية، فيما تبقى القرارات الاستراتيجية المعلقة بالتخصيب والصواريخ بيد المرشد والمؤسّسات الأمنية والعسكرية المحيطة به، يعني بيد الحرس الثوري.
وفي موازاة ذلك، كشف مصدر أميركي مقرّب من البيت الأبيض ومطلع على السياسة تجاه إيران أنّ واشنطن تتوقع أن يؤدي تشديد العقوبات والضغط المالي الى تعميق الخلاف داخل مؤسّسات النظام بشأن توزيع الموارد بين البرامج العسكرية والنووية والاحتياجات الاقتصادية الداخلية. وتعمل واشنطن على زيادة الضغط على مصادر الدخل بالتزامن مع بدء الخزانة الأميركية حملة جديدة من العقوبات.