بقلم ملاك عقيل
«أساس ميديا»
لا يزال بعض النوّاب والسياسيّين في طور قراءة التفسيرات القانونيّة والتنفيذيّة التي تضمّنها قرار المجلس الدستوريّ في شأن الطعن بقانون العفو العامّ، وتداعياته في مراحل التنفيذ والإفراج عن المشمولين به. عمليّاً، أتت الترجمات الأولى للقرار ضمن سياق استيعاب الخضّة وليس تمدّدها، إن لجهة إنهاء إضراب السجناء الإسلاميّين عن الطعام الذي استمرّ نحو شهر، أو “تسريب” بيان عن لقاء النوّاب السنّة يعلنون فيه “عدم الموافقة على مضمونه، لكن سنتعامل معه من موقع الإيمان بدولة المؤسّسات”.
اتّهم النوّاب السنّة في بيانهم المجلسَ الدستوريّ، الذي أصدر قراره بالطعن المقدّم في قانون العفو بإجماع أعضائه، بـ”تبنّيه تداعيات سياسات الاستهداف والاستقواء التي مورست على مدى عقود على مكوّن أساسيّ في البلد”، مشيرين إلى أنّه “كنّا نعتقد أنّ المرجعيّات التي دعمت وتفهّمت تحرّكنا ظاهراً ستقف مع رفع الظلم دون انتقائيّة، لكنّ رهاننا كان في غير مكانه. ومع من طَعن سيكون لنا حساب آخر”.
يوضح قائلاً: “هذا الملفّ كان يحظى باحتضان وطنيّ، ومن الرئاسات الثلاث، وصدر بأكثريّة نيابيّة، لكنّ النتيجة الفعليّة أنّ ما أخذناه كطائفة سنّيّة في مجلس النوّاب، تحديداً في ما يخصّ عقوبة الإعدام والحقّ الشخصيّ، أُخِذ منّا مجدّداً من خلال قرار المجلس الدستوريّ، وفقاً لمصلحة الطرف الآخر، وبشكل فاضح، ما أعاد الأمور إلى نقطة الصفر”، مشيراً إلى أنّه “كي لا نتذاكى على بعض، كلّنا نعلم أنّ مؤسّسات الدولة تحتكم بالنهاية إلى اللعبة السياسيّة، وهذا الملفّ له علاقة بالتوازنات والشراكة الوطنيّة، فإذا كان الرؤساء الثلاثة والأكثريّة النيابيّة قد تبنّوا هذا القانون، فهل القرار السياديّ والسياسيّ بالبلد في مكان آخر؟”.
يُسلّم النوّاب السنّة، وفق أوساطهم، بأنّ “تجاوز قرار مبرم صادر عن المجلس الدستوريّ غير ممكن، لكنّ عنوان المرحلة سيكون بالنسبة لهم التوضيح وتصويب المسار مع السلطة السياسيّة. فالمجلس الدستوريّ لا يستطيع أن يأخذ دور المشرّع في مجلس النوّاب، بينما قراره فَرَضَ حالة تشريع مناقضة على موادّ واضحة جدّاً تضمَّنها قانون العفو”.
في المقلب الآخر، رأى نوّاب آخرون أنّ المجلس الدستوريّ لم “يعفُ” عن مجلس النوّاب سقطاته التشريعيّة، فلم يُسقِط القانون، ولم يردّ الطعن، بل “صحّح” أخطاء السلطة التشريعيّة، وسعيها إلى إرضاء القوى السياسيّة على حساب القانون، وفسّر البنود التي تحمل التأويل والاجتهاد، إلى حدّ اتّهامه بـ”التشريع نيابة عن المجلس”.
ردّ المجلس الدّستوريّ
اعتبر المجلس الدستوريّ في قراره أنّ الرقابة الدستوريّة ليست رقابة على الملاءمة السياسيّة للقانون، فالمجلس الدستوريّ لا يملك سلطة تقدير مماثلة لسلطة مجلس النوّاب، ولا يحلّ تقديره محلّ تقدير المشترع في اختيار الجرائم المشمولة بالعفو أو في تحديد نطاقه الزمنيّ، ما لم يكن هذا التقدير مشوباً بخطأ ساطع أو مخالفاً لمبدأ، أو قاعدة ذات قيمة دستوريّة.
أورد المجلس الدستوريّ في قراره: “متى احتمل النصّ أكثر من تفسير، يستبعد التفسير المخالف للدستور ويعتمد التفسير الذي يجعله متوافقاً معه، فتكون التحفّظات التفسيريّة التي يقرّرها مُلزمة لجميع السلطات العامّة والمراجع القضائيّة والإداريّة، بما يضمن وحدة تطبيق القانون ويحول دون الاجتهادات المتناقضة”.
عقوبة الإعدام
في ما يتعلّق بعقوبة الإعدام ورد في قرار المجلس الدستوريّ حرفيّاً: “فيما نصّ قانون العفو في البند 1 من المادّة الثالثة منه على أنّ “عقوبة الإعدام تصبح 28 سنة سجنيّة”، والبند 2 منها على أنّ “الأشغال الشاقّة المؤبّدة تصبح 17 سنة سجنيّة”، وحيث إنّ القانون رقم 68 المتعلّق بإلغاء عقوبة الإعدام، الصادر بتاريخ 7/8/2026، قد ألغى في مادّته الأولى عقوبة الإعدام، ونصّ في مادّته الثالثة على أنّ الجرائم المرتكبة قبل نفاذه تستبدل فيها عقوبة الإعدام بالعقوبة التي تليها مباشرة، وهي عقوبة الأشغال الشاقّة المؤبّدة، ونصّ في الفقرة (أ) من مادّته الخامسة على أنّ إلغاء عقوبة الإعدام يشمل جميع القرارات القضائيّة التي سبق وصدرت بحقّ المحكوم عليهم بها ولم يتمّ تنفيذها، وتستبدل عقوبتهم بعقوبة الأشغال الشاقّة المؤبّدة”.
أضاف: حيث إنّ القانون المطعون فيه صدر ونشر بتاريخ 4/9/2026، أي بعد نفاذ القانون رقم 68/2026، فلم تعد عقوبة الإعدام، بتاريخ نفاذه، قائمة في التشريع اللبنانيّ ولا في الأحكام غير المنفّذة، حيث إنّ تطبيق البند 1 من المادّة الثالثة تطبيقاً حرفيّاً يجعله نصّاً بلا موضوع ويؤدّي، في المقابل، إلى إخضاع من استبدلت عقوبة الإعدام بحقّهم بالأشغال الشاقّة المؤبّدة بموجب القانون رقم 68/2026 للبند 2 من المادّة الثالثة، فيستوون مع من حُكم أصلاً بالأشغال الشاقّة المؤبّدة عن جرائم أقلّ خطورة، وهذه النتيجة تخلّ بمبدأ المساواة الذي يقتضي عدم معاملة أوضاع مختلفة معاملة واحدة، وتناقض التدرّج الذي أراده المشترع صراحةً بين البندين 1 و2، حيث إنّ المشترع لا يفترض أنّه يشرّع عبثاً، وقد أقرّ القانون المطعون فيه “خلافاً لأيّ نصّ آخر”، وبعد نفاذ القانون رقم 68/2026، بما يقتضي إعطاء البند 1 أثراً مفيداً ينسجم مع إلغاء عقوبة الإعدام ولا يعيد إحياءها بأيّ وجه، حيث يقتضي، تبعاً لذلك، تحصين البند 1 من المادّة الثالثة بتحفّظ تفسيريّ ملزم مؤدّاه: “إنّ البند 1 من المادّة الثالثة لا يعيد إحياء عقوبة الإعدام الملغاة بموجب القانون رقم 68/2026 بأيّ وجه، ويفسَّر على أنّه يتناول الجرائم التي كانت معاقباً عليها بالإعدام قبل نفاذ القانون المذكور، والمحكومين الذين استُبدلت عقوبة الإعدام بحقّهم بالأشغال الشاقّة المؤبّدة بموجب المادّتين الثالثة والخامسة (أ) منه، فتصبح عقوبتهم 28 سنة سجنيّة، ولا يسري عليهم البند 2 من المادّة الثالثة”.
الحقّ الشّخصيّ
أمّا في ما يتعلّق بالحقّ الشخصيّ فقد جاء في القرار:
“نصّت المادّة الثالثة من القانون المطعون فيه “وفي جرائم القتل العمديّ أو القصديّ المقترنة أو المصاحبة بالظروف المشدّدة الآتية: الاغتصاب أو الاعتداء الجنسيّ. إذا ارتكبها أحد الأصول أو الفروع أو من له سلطة أو ولاية أو وصاية على الضحيّة. إذا اقترنت بالتعذيب أو الوحشيّة أو التشويه أو الخطف. إذا ارتُكبت في إطار الاغتيال السياسيّ. وكان المتضرّر قد اتّخذ صفة الادّعاء الشخصيّ قبل 1/3/2026، فلا يستفيد المحكوم من التخفيض إلّا بعد إسقاط الحقّ الشخصيّ، حيث إنّ قانون العقوبات شدّد العقوبة بالنسبة للقتل القصديّ في المادّة 547 منه، وفي المادّة 548 إذا اقترن بأحد الأسباب التي عدّدتها، وفي المادّة 549 إذا اقترن بأسباب أخرى جرى تعدادها ومن ضمنها العمد، حيث إنّ الفقرة الأخيرة من المادّة الثالثة المستعاد نصّها أعلاه تثير الالتباس ويشوبها الغموض في ما إذا كان إسقاط الحقّ الشخصيّ مشترطاً كلّما توفّر ظرف مشدّد منصوص عليه في الموادّ 547 و548 و549 – عقوبات، أم محصوراً بتوفّر أحد الأسباب الواردة فيها، علماً أنّ الأخذ بالاحتمال الأخير يؤدّي إلى الإخلال بمبدأ المساواة بين المتضرّرين من جرائم القتل المشدّدة، حيث حرصاً على احترام مبدأ المساواة، يقتضي تحصين الفقرة الأخيرة من المادّة الثالثة بتحفّظ تفسيريّ ملزم مؤدّاه أنّ الحكم الوارد فيها، أي اشتراط إسقاط الحقّ الشخصيّ، يسري “في جرائم القتل القصديّ أو العمديّ المقترنة أو المصاحَبة بأحد الأسباب المشدّدة الواردة في الفقرة الثانية من المادّة الثالثة، أو بأحد الأسباب المشدّدة الواردة في الموادّ 547 و548 و549 – عقوبات”، حيث إنّ اشتراط اتّخاذ صفة الادّعاء الشخصيّ قبل تاريخ 1/3/2026، فضلاً عن كونه غير مبرّر، يؤدّي أيضاً الى الإخلال بمبدأ المساواة بين المتضرّرين، خاصّةً المتضرّرين من جرائم تجري ملاحقتها أمام المحاكم العسكريّة، الذين لا يمكنهم الادّعاء إلّا بعد صدور أحكام مبرمة قد تصدر بعد 1/3/2026 وقبل نفاذ القانون، ما يوجب إبطال عبارة “قبل 1/3/2026″ من الفقرة الأخيرة من المادّة الثالثة”.
تضييق نطاق الاستثناءات
مقابل هاتين المادّتين اللتين أثارتا الجدل، ضيّق المجلس الدستوريّ بوضوح نطاق الاستثناءات الواردة في القانون المطعون فيه، خصوصاً جرائم الفساد والجرائم الماليّة، لتشمل المرتكبين في القطاع الخاصّ، وأيّاً كانت الصفة ومدى التورّط. كما أكّد قرار المجلس الدستوريّ أنّ العفو العامّ لا يُسقط حقّ الدولة في استرداد الأموال المتأتّية من جرائم الفساد، ولا يحول دون المصادرة أو مطالبة المتضرّرين بحقوقهم. إضافة إلى توسيع نطاق الاستثناءات في ما يتعلّق بجرائم التزوير والتعدّي على الأملاك العامّة، وربط مسألة التكرار بضرورة صدور أحكام قضائيّة.
الإفراج عن المساجين
تفيد المعلومات بأنّ عدّة إجراءات قضائيّة تحضيريّة اتّخذت مسبقاً، قبل صدور القرار عن المجلس الدستوريّ، حيث سيبدأ الإفراج عن المساجين بدءاً من الأسبوع المقبل، وسيبقى إطار تنفيذ قانون العفو مرتبطاً بدخول النيابة العامّة التمييزيّة ومجلس القضاء الأعلى على الخطّ من خلال إصدار تعاميم لتفسير بعض بنود القانون ضمن سياق تنفيذ القانون والتعديلات التي أُدخلت عليه.
ملاك عقيل