الولايات المتحدة في ربع ألفية الاستقلال بين القيادة والشراكة

بقلم د. ابراهيم العرب

مع حلول الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأميركية، لا تبدو المناسبة مجرد محطة تاريخية تستعيد فيها دولة عظمى ذكرى تأسيسها، بل تشكّل فرصة للتأمل في مسار القوة الأميركية، وفي طبيعة النظام الدولي الذي أسهمت واشنطن في صياغة ملامحه على امتداد العقود الماضية. فبعد ربع ألفية من الاستقلال، ما تزال الولايات المتحدة تتصدر المشهد العالمي بوصفها الفاعل الأكثر تأثيراً في السياسة الدولية، والقوة التي تتقاطع عندها معظم الملفات الإقليمية والدولية، سواء تعلق الأمر بالحروب أو الأزمات الاقتصادية أو النزاعات الجيوسياسية أو التحولات الأمنية الكبرى.

ومن يتابع المشهد الدولي يدرك أن غالبية الأزمات المعاصرة لا تنتظر قراراً يصدر عن المؤسسات الدولية بقدر ما تترقب الموقف الأميركي. فواشنطن ما زالت تمتلك القدرة على توجيه مسارات الأحداث، سواء عبر أدواتها الدبلوماسية، أو قدراتها العسكرية، أو نفوذها الاقتصادي والمالي، أو شبكة تحالفاتها الواسعة الممتدة عبر مختلف القارات. ولذلك، باتت العديد من العواصم تعتبر أن مفاتيح الحلول السياسية غالباً ما توجد في واشنطن أكثر مما توجد في أروقة الأمم المتحدة، في تعبير واضح عن حجم التحول الذي أصاب مفهوم إدارة العلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة.

لقد عرف العالم طوال النصف الثاني من القرن العشرين نظاماً دولياً قائماً على الثنائية القطبية، انقسمت فيه الكرة الأرضية بين معسكرين كبيرين؛ أحدهما تقوده الولايات المتحدة، والآخر يقوده الاتحاد السوفياتي. وكانت مناطق النفوذ موزعة بين الشرق والغرب وفق توازنات الحرب الباردة، التي حكمت السياسات الدولية لعقود طويلة. إلا أن انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع تسعينيات القرن الماضي لم يكن مجرد سقوط لدولة عظمى، بل مثّل تحولاً تاريخياً أنهى مرحلة كاملة من التوازن الدولي، وأطلق حقبة جديدة اتسمت بتفرد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي.

ومنذ ذلك التاريخ، استطاعت واشنطن أن تعزز مكانتها بصورة غير مسبوقة، مستندة إلى منظومة متكاملة من عناصر القوة. فهي تمتلك أكبر اقتصاد في العالم، وأضخم منظومة عسكرية، وأوسع شبكة من القواعد العسكرية والتحالفات الدولية، فضلاً عن تفوقها العلمي والتكنولوجي، وهيمنة مؤسساتها المالية والنقدية على الاقتصاد العالمي، في ظل استمرار الدور المحوري للدولار، المدعوم بمنظومة البترودولار، في حركة التجارة والطاقة والتمويل الدولية.

ولا يقتصر التفوق الأميركي على امتلاك أدوات القوة الصلبة، بل يمتد أيضاً إلى القدرة على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وقيادة الاقتصاد الرقمي، وصناعة التأثير الثقافي والإعلامي، الأمر الذي منح الولايات المتحدة نفوذاً يتجاوز حدود القوة العسكرية التقليدية إلى مفهوم القوة الشاملة التي تمزج بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا.

وإذا ما قورنت الولايات المتحدة بمنافسيها الدوليين، يتبين أن موازين القوى ما زالت تميل لمصلحتها، رغم بروز تحديات جديدة. فروسيا، التي ورثت الجزء الأكبر من الإرث العسكري السوفياتي، تواجه تحديات اقتصادية واستراتيجية متفاقمة، ازدادت حدتها بفعل الحرب المستمرة في أوكرانيا وما نتج عنها من عقوبات واستنزاف طويل الأمد. أما الاتحاد الأوروبي، فعلى الرغم من ثقله الاقتصادي، فإنه ما زال يواجه صعوبات في بلورة سياسة دفاعية وخارجية موحدة تجعله قطباً مستقلاً قادراً على منافسة واشنطن في قيادة النظام الدولي.

وفي المقابل، حققت الصين قفزات اقتصادية وتنموية هائلة، وأصبحت إحدى أكبر القوى الاقتصادية والمالية في العالم، إلا أن انتقالها من قوة اقتصادية إلى قوة عالمية مكتملة الأركان ما زال يواجه تحديات تتعلق بالتوازنات العسكرية، والتحالفات الدولية، والانتشار الاستراتيجي، فضلاً عن طبيعة النظام الدولي الذي ما زالت الولايات المتحدة تمسك بمفاصله الأساسية.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن القول إن العالم عاش خلال العقود الثلاثة الأخيرة مرحلة من الأحادية الدولية التي مارست فيها الولايات المتحدة دور القائد والمنظم الرئيسي للعلاقات الدولية. وقد انعكس ذلك بصورة واضحة في إدارتها للأزمات الكبرى، بدءاً من حرب الخليج، مروراً بالتدخلات العسكرية في مناطق متعددة، وصولاً إلى إدارة الصراعات الإقليمية والملفات النووية، حيث غالباً ما كانت واشنطن تتخذ قراراتها وفق رؤيتها لمصالحها القومية، حتى وإن تعارض ذلك مع مواقف بعض حلفائها التقليديين أو مع توجهات المؤسسات الدولية.

وفي هذا السياق، برز اتجاه أميركي واضح نحو حسم الكثير من النزاعات عبر مزيج من الضغط السياسي، والعقوبات الاقتصادية، واستخدام القوة العسكرية أو التهديد بها، باعتبارها أدوات رئيسية لحماية المصالح الاستراتيجية الأميركية. وقد أدى هذا النهج إلى تعزيز الدور الأميركي من جهة، لكنه في الوقت نفسه أثار نقاشاً واسعاً حول حدود الأحادية الدولية وإمكان استمرارها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي.

ومع ذلك، فإن القراءة الاستراتيجية للمستقبل تشير إلى أن النظام الدولي يتجه تدريجياً نحو قدر أكبر من التوازن، ليس بالضرورة عبر إنهاء القيادة الأميركية، وإنما عبر انتقالها من مفهوم الهيمنة المنفردة إلى مفهوم الشراكة المنظمة مع القوى الدولية الصاعدة. فالتحديات العابرة للحدود، كأمن الطاقة، والتغير المناخي، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد العالمية، لا يمكن لأي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تديرها بمفردها.

ومن المرجح أن تصبح إدارة مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة، وضمان أمن التجارة العالمية، والحفاظ على استقرار النظام المالي الدولي، من أبرز العوامل التي ستدفع الولايات المتحدة إلى اعتماد مقاربة أكثر تعاوناً مع القوى الكبرى، بما يحقق مصالحها الاستراتيجية ويحافظ في الوقت ذاته على استقرار الاقتصاد العالمي واستمرار الثقة بالدولار باعتباره الركيزة الأساسية للنظام المالي الدولي.

ومن هنا، فإن قوة الولايات المتحدة الحقيقية لن تُقاس مستقبلاً بقدرتها على فرض إرادتها منفردة، بل بقدرتها على قيادة نظام دولي أكثر توازناً، يجمع بين الحفاظ على مصالحها الوطنية وإدارة التنافس الدولي ضمن أطر سياسية تقلل من احتمالات الصدامات الكبرى التي قد تهدد الأمن والسلم العالميين.

وفي الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأميركية، نتوجه بأسمى آيات التهنئة والتبريك إلى فخامة الرئيس دونالد ترامب، وإلى الشعب الأميركي، الذي أثبت عبر مسيرته التاريخية قدرة استثنائية على تجديد مؤسساته، وتعزيز تجربته الديمقراطية، ومواصلة التطلع إلى المستقبل بروح المبادرة والابتكار.

كما نغتنم هذه المناسبة لنعرب عن بالغ تقديرنا للمواقف الأميركية الداعمة للبنان، ولمؤسساته الدستورية، وللجيش اللبناني الذي يشكل الركيزة الأساسية لحماية السيادة وصون الاستقرار، وللشعب اللبناني الساعي إلى بناء دولة قوية قادرة على تحقيق الأمن والازدهار. وإن هذه المواقف ليست طارئة، بل تستند إلى تاريخ طويل من العلاقات الثنائية التي قامت على الاحترام المتبادل، والتعاون المشترك، والإيمان بأهمية دعم استقرار لبنان ووحدته.

ونثمن كذلك الجهود الأميركية الرامية إلى مساعدة لبنان في تجاوز أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية، وإلى ترسيخ مقومات الاستقرار في منطقة تعيش تحولات متسارعة وتعقيدات متزايدة، آملين أن يشكل التعاون بين البلدين نموذجاً للشراكة القائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بما يخدم تطلعات الشعبين الصديقين.

في المحصلة، إن مرور مئتين وخمسين عاماً على استقلال الولايات المتحدة لا يمثل احتفالاً بذكرى وطنية فحسب، بل يختزل تجربة دولة نجحت في الانتقال من جمهورية ناشئة إلى القوة الأكثر تأثيراً في النظام الدولي الحديث. غير أن المحافظة على هذه المكانة لن تكون رهناً بتراكم عناصر القوة العسكرية والاقتصادية وحدها، بل بمدى قدرة واشنطن على التوفيق بين مقتضيات القيادة العالمية ومتطلبات الشراكة الدولية، وبين حماية مصالحها الوطنية واحترام قواعد النظام الدولي. فالعالم يتغير بوتيرة متسارعة، والقوى الصاعدة تفرض حضورها تدريجياً، الأمر الذي يجعل المستقبل مرهوناً بإقامة نظام أكثر توازناً، تتقاسم فيه الدول الكبرى مسؤولية حفظ الأمن والاستقرار، بما يجنب البشرية صدامات استراتيجية كبرى ويؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الدولي المسؤول.

د. ابراهيم العرب