بقلم دافيد عيسى
لم يعرف لبنان أزمة أخطر من اعتياد بعض قواه السياسية البحث عن الحلول خارج حدوده.
فكلما اشتدت الأزمات، ارتفعت الأنظار نحو العواصم الإقليمية والدولية بدل أن تتجه إلى مؤسسات الدولة، حتى أصبح الارتهان للخارج جزءًا من الحياة السياسية اللبنانية.
وفي هذا السياق، لم تكن أزمة لبنان يومًا في الكيان أو في فكرة الدولة بحد ذاتها، بل في قوى سياسية تناوبت عبر مختلف المراحل التاريخية على ارتهان قرارها للخارج.
ومع كل اختلال في موازين القوى الإقليمية، لجأ فريق داخلي إلى الاستقواء بهذه القوة الإقليمية، واضعًا مصالحه الفئوية والطائفية فوق المصلحة الوطنية، الأمر الذي أبقى السيادة اللبنانية رهينةً لصراعات الإقليم وحسابات الداخل.
ولا يعود هذا الواقع إلى ضعف الدولة وحده، بل أيضًا إلى طبيعة النظام السياسي وتشابكاته، وإلى ثقافة سياسية رسّخت لدى بعض القوى قناعة بأن النفوذ الخارجي هو الطريق الأسرع لتحقيق المكاسب الداخلية.
وهكذا، أصبح اللجوء إلى الخارج سلوكًا متكررًا كلما احتدمت الخلافات، على حساب الدولة ومؤسساتها.
وقد اعتادت هذه القوى البحث عن “منقذ” يأتي من وراء الحدود، سواء بدافع سياسي أو طائفي، ولا سيما عندما يظهر في الإقليم زعيم أو نظام يلتقي معها في التوجهات أو المصالح.
غير أن المسؤولية لا تقع على عاتق الخارج وحده، بل تتحمل الدولة اللبنانية نصيبًا وافرًا منها.
فمنذ سنوات، سمحت لهذا الفريق أو ذاك بإقامة علاقات مع دول أخرى خارج إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، في ظل غياب المحاسبة والمساءلة.
ومع ضعفها المزمن وتراخي مؤسساتها في تطبيق القانون، اتسعت مساحة التدخلات الخارجية في الشأن اللبناني، حتى باتت الدولة عاجزة عن صون سيادتها، وفرض سلطتها، وترسيخ هيبتها.
وتتكرر المشاهد ذاتها في لبنان مع كل زيارة لمسؤولي هذه المحاور الإقليمية، حيث تُرفع الصور وتُعلّق اللافتات وتُحشد الجماهير وسط هتافات توحي بأن البلاد لا تستقبل مجرد ضيف، بل تنتظر مخلّصًا طال انتظاره.
كما إن صون كرامة الوطن يبدأ من بوابته الأولى، وحرية لبنان تقضي بأن تنطق جدرانه وشوارعه بالهوية اللبنانية الخالصة دون سواها.
هذا المشهد لا يرتبط بالضيف أو بالدولة التي يمثلها، بل بطريقة تعاطي بعض القوى السياسية وبيئتها الحاضنة مع الزيارة، وهو سلوك يضعف الثقة بالدولة اللبنانية وقدرتها على إدارة شؤونها وصون سيادتها.
هذا النهج ليس وليد اللحظة، بل يمتد إلى ما قبل الاستقلال. فبالرغم من نيل لبنان استقلاله عام 1943، عجزت القوى السياسية عن ترسيخ مفهوم الدولة في وعيها، وظلت المرجعيات الخارجية تتقدم على السيادة الوطنية.
ومع تعاقب العقود، تبدلت الأسماء والجهات وبقي المنطق واحدًا: من المدّ الناصري، إلى النفوذ الفلسطيني، فالاحتلال الإسرائيلي، ثم الوصاية السورية، وصولًا إلى النفوذ الإيراني.
وفي كل مرحلة، كان هناك فريق لبناني يربط مستقبله بقوة خارجية أكثر من ارتباطه بوطنه.
ولعل ما جرى عقب انفجار مرفأ بيروت عام 2020 شكّل مثالًا واضحًا على هذا الواقع.
فقد استُقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحفاوة استثنائية، فيما كان اللبنانيون لا يزالون يعيشون صدمة الكارثة.
وقد عكس ذلك حجم اليأس الذي وصل إليه اللبنانيون، حتى بدا لكثيرين أن الخلاص قد يأتي من مبادرة خارجية لا من إرادتهم الوطنية.
لكن التجارب أثبتت أن الدول تتحرك وفق مصالحها، لا وفق اعتبارات عاطفية أو إنسانية.
فلكل دولة أولوياتها وحساباتها، أما لبنان فكثيرًا ما كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية والدولية ورقة ضمن صراعات أوسع، أو بندًا على طاولة تفاوض تتجاوز مصالح شعبه.
ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس استثناءً، بل امتداد لمسار قديم تتبدل فيه الأسماء والرايات، بينما يبقى الوهم ذاته: انتظار الخلاص من الخارج بدل صناعته في الداخل.
وفي هذا السياق، يبرز المشهد الذي رافق زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس بوصفه نموذجًا يستحق التوقف عنده.
فما حصل لا يعكس مجرد حفاوة استقبال، بل يكشف أزمة أعمق في الثقافة السياسية، وخللًا في فهم العلاقة بين الدولة ومسؤولي الدول الأخرى.
فثمة فرق كبير بين استقبال مسؤول أجنبي بما يليق به وبالدولة التي يمثلها وفق الأعراف الدبلوماسية، وبين تحويل زيارته إلى مشهد استعراضي يوحي بولاء يتجاوز حدود اللياقة السياسية، بما ينتقص من هيبة الدولة ويضعها في موقع أدنى من موقع الضيف.
وهنا لسنا في وارد الاعتراض على زيارة الوزير أسعد الشيباني، بل على العكس تمامًا، فهو ضيف عزيز وموضع ترحيب كبير في لبنان، وله كل الاحترام والتقدير.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن في ثقافة المبالغة والتبجيل المفرط لهذا الضيف الاجنبي او غيره، وهو سلوك يخدش كرامة الدولة ومفهوم المواطنة الحقيقية.
وهنا يبرز سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالاته:
هل تحظى أي شخصية سياسية لبنانية، بدءًا من الوزير وصولًا إلى رئيس الجمهورية، بمراسم استقبال شعبية تتضمن إقفال الشوارع ورفع اللافتات وحمل المسؤول على الأكتاف في أي دولة عربية أو أجنبية؟
بالطبع لا، إذ إن الدول ذات السيادة تستقبل ضيوفها عادة وفق الأصول الدبلوماسية والبروتوكول.
ويحضرني هنا قول للإمام علي بن أبي طالب:
أحبِبْ حبيبَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكون بغيضَكَ يومًا ما، وأبغِضْ بغيضَكَ هَوْنًا ما، عسى أن يكون حبيبَكَ يومًا ما.
غير أن الحياة السياسية في لبنان كثيرًا ما تأرجحت بين التقديس المطلق والخصومة المطلقة، فيما بقيت المصلحة الوطنية غائبة، وبقيت الدولة الحلقة الأضعف.
إن الدول لا تُبنى بالعواطف ولا بالولاءات العابرة للحدود، بل بمؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وجيش واحد، وقيادة سياسية تؤمن بأن السيادة لا تتجزأ، وأن الكرامة الوطنية تبدأ من احترام الدولة قبل أي جهة أخرى.
ويبقى السؤال الذي يلاحق اللبنانيين منذ عقود: كم تجربة فاشلة نحتاج بعد؟ وكم خيبة أخرى علينا أن نعيش حتى نقتنع بأن الدولة لا يبنيها الخارج، وأن المنقذ الحقيقي لا يأتي من وراء الحدود، بل يولد من إرادة اللبنانيين أنفسهم، ومن إيمانهم بأن وطنهم لا يحميه إلا أبناؤه، ولا ينقذه إلا قيام دولة سيدة قوية وعادلة.
دافيد عيسى