انتخابات إسرائيل بين احتمال سقوط نتنياهو واستمرار الحرب / 2

بقلم د. ابراهيم العرب
حتى لو نجح معسكر معارض لنتنياهو في تشكيل الحكومة المقبلة، فإن ذلك لا يعني تلقائياً أن إسرائيل ستنسحب من الأراضي التي تسيطر عليها، أو أنها ستتخلى عن مطلبها المتعلق بسلاح حزب الله. فالفارق بين الأحزاب الإسرائيلية قد يكون كبيراً في طريقة إدارة الملف اللبناني، وفي مستوى استخدام القوة، وفي العلاقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي طريقة التعامل مع الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني، لكنه قد يكون أقل بكثير في تحديد الهدف الأمني الأساسي.
وهذا الهدف، كما يبدو من الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي، يتمثل في منع حزب الله من استعادة قدرة عسكرية تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً لأمن شمالها. لذلك فإن الانتخابات قد تغيّر أسلوب إدارة الحرب أكثر مما تغيّر المعادلة الاستراتيجية التي تحكمها.
وقد نشهد، في حال تغيرت الحكومة، انتقالاً من خطاب نتنياهو السياسي الصدامي إلى خطاب أكثر براغماتية، أو محاولة للتوصل إلى ترتيبات أمنية أكثر وضوحاً، أو انفتاحاً أكبر على الوساطات الدولية. لكن ذلك كله لا يعني بالضرورة عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب.
من الخطأ أيضاً النظر إلى إسرائيل وكأنها دولة يتحكم رئيس حكومتها منفرداً في قرار الحرب والسلم. فالقرار الأمني الإسرائيلي يصنعه تفاعل معقد بين الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسة السياسية والبيئة الشعبية، فضلاً عن الحسابات الإقليمية والدولية.
ولهذا فإن السؤال اللبناني ينبغي ألا يكون فقط: «من سيكون رئيس الحكومة الإسرائيلية؟»، بل: ما الذي تغير في التصوّر الإسرائيلي للأمن على الحدود مع لبنان؟ هذا السؤال أكثر أهمية بكثير. فإذا كان الجواب أن إسرائيل باتت ترى أن مجرد وجود قوة عسكرية كبيرة لحزب الله بالقرب من حدودها يمثل خطراً وجودياً أو استراتيجياً، فإن تغيير رئيس الحكومة لن يكون كافياً وحده لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
ومن هنا، فإن أي تسوية مقبلة تحتاج إلى معالجة أصل المشكلة لا أعراضها. فالحديث عن وقف إطلاق النار، أو عن انسحاب إسرائيلي، أو عن إعادة انتشار، لا يمكن أن يبقى منفصلاً عن مستقبل الوضع العسكري على الحدود، وعن قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها، وعن صيغة أمنية تمنع العودة إلى دورة جديدة من الحرب.
ومن منظور لبناني، فإن أي حل مستدام لا يمكن أن يقوم على تفاهمات مؤقتة بين إسرائيل وحزب الله وحدهما. فلبنان يحتاج إلى أن تكون الدولة طرفاً أصيلاً في صياغة أمنه الوطني، وأن يستعيد الجيش اللبناني دوره المركزي في حماية الحدود وتثبيت الاستقرار، وأن تتحول القرارات المتعلقة بالحرب والسلم إلى شأن مؤسساتي للدولة، لا إلى نتيجة لموازين القوى المسلحة.
وفي المقابل، فإن أي مقاربة إسرائيلية تقوم على الاحتلال الدائم أو إنشاء مناطق عازلة داخل الأراضي اللبنانية لن تنتج سلاماً حقيقياً. قد تنتج هدوءاً مؤقتاً، لكنها ستزرع أسباب الحرب المقبلة. فالأمن الذي يقوم على الإكراه وحده لا يصنع استقراراً دائماً، كما أن الأمن اللبناني لا يمكن أن يُبنى على استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة. وبين هذين الحدين تقع مسؤولية السياسة والدبلوماسية.
ثلاثة سيناريوهات تبدو ممكنة بعد الانتخابات: الأول، بقاء نتنياهو في الحكم عبر إعادة تركيب ائتلاف يميني، وهو سيناريو يعني استمراراً قوياً للنهج الأمني الحالي، وإن كان ذلك لا يمنع تغير بعض التكتيكات.
الثاني، نجاح معسكر آيزنكوت وحلفائه في تشكيل حكومة جديدة. وهذا قد يفتح الباب أمام مقاربة أكثر مؤسساتية وأقل ارتباطاً بشخص نتنياهو، وربما أمام مسار تفاوضي أكثر مرونة، لكن من دون ضمانة بانسحاب إسرائيلي شامل أو بتغيير جوهري في الموقف من سلاح حزب الله.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر إرباكاً، فيتمثل في برلمان مجزأ يعجز فيه أي معسكر عن تأمين أغلبية مستقرة. وفي هذه الحالة قد تدخل إسرائيل في مرحلة من المساومات السياسية الطويلة، فيما تستمر المؤسسة الأمنية في إدارة الملفات الميدانية وفق ضروراتها الخاصة.
وهذا السيناريو تحديداً يحمل خطراً على لبنان، لأن الفراغ السياسي أو هشاشة الحكومة الإسرائيلية قد يدفعان المؤسسة السياسية إلى تركيز أكبر على الإنجازات الأمنية والعسكرية باعتبارها المجال الأكثر سهولة لتوحيد الجمهور.
في الختام، إنّ الانتخابات الإسرائيلية المقبلة مهمة، وربما تكون من أكثر الانتخابات حساسية منذ سنوات، لأنها لا تتعلق فقط بمستقبل بنيامين نتنياهو، بل بمستقبل اليمين الإسرائيلي، وبشكل الدولة بعد الحرب، وبحدود العلاقة بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية، وبموقع المواطنين العرب داخل النظام السياسي. لكن لبنان يجب ألا يرتكب خطأ انتظار النتيجة الإسرائيلية وكأنها ستقرر وحدها مصيره.
قد يسقط نتنياهو، وقد يعود إلى الحكم. قد يتقدم آيزنكوت، وقد يفشل في تشكيل حكومة. وقد تدخل إسرائيل في ائتلاف جديد أو في أزمة سياسية جديدة. كل ذلك مهم، لكنه لا يلغي حقيقة أكثر صعوبة: الحرب في لبنان لم تعد مجرد ورقة انتخابية في يد نتنياهو، بل أصبحت جزءاً من منظومة أمنية إسرائيلية أوسع.
ومن هنا، فإن الرهان اللبناني الحقيقي لا ينبغي أن يكون على اسم الفائز في تل أبيب، بل على قدرة لبنان نفسه على بناء دولة قوية، وعلى تثبيت مرجعية المؤسسات الشرعية في قرار الحرب والسلم، وعلى امتلاك رؤية وطنية واضحة للتفاوض، مدعومة بجيش قادر وبموقف سياسي موحد وبشبكة علاقات عربية ودولية فاعلة. فالسلام لا يصنعه سقوط رجل في الانتخابات، كما أن الحرب لا تستمر بالضرورة لأن رجلاً بقي في السلطة. والتاريخ يعلمنا أن أكثر اللحظات خطورة هي تلك التي ننتظر فيها أن يحل الآخر مشكلتنا بالنيابة عنا.
إن الانتخابات الإسرائيلية قد تغيّر وجه القيادة في إسرائيل، لكنها لن تغيّر وحدها وجه الحدود اللبنانية. أما تغيير هذا الواقع، فيحتاج إلى قرار لبناني شجاع يعيد الدولة إلى مركز المعادلة، وإلى تسوية إقليمية ودولية تعالج جذور الصراع، لا أن تؤجل انفجاره إلى حرب جديدة.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى لبنان ليس: من سيربح انتخابات الكنيست؟ بل: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تكون حاضرة عندما تبدأ إسرائيل نفسها بإعادة تعريف المرحلة التي تلي الحرب؟ فهناك، تحديداً، ستتقرر ملامح المرحلة المقبلة.
د. ابراهيم العرب